في كتابه الجامع الشامل (صدر في ربيع العام الحالي) بعنوان »إنهاء الفقر .. كيف يمكن ان نحققه في حياتنا« والصادر عن دار بنغوين بوكس لندن. يقول البروفيسور الأميركي جيفري ساكس الاستاذ بجامعة كولومبيا: "في كل صباح تطالعنا الصحف بأنباء هلاك أكثر من 20 ألف إنسان لقوا حتفهم بسبب الفقر المدقع.. ومنذ الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ظلت أميركا تشن حرباً على الإرهاب، ولكنها أهملت الأسباب الأعمق لزعزعة الاستقرار في العالم".

تلك هي العبارات التي استهل بها الاكاديمي الأميركي وهو أيضاً مستشار الأمن العام للأمم المتحدة لشؤون التنمية، كتابه الذي يطرح فيه، كما يقول، "مقترحات اقتصادية ملائمة لعصرنا".

والمعني الذي يقصده الأستاذ ساكس ، ونقصده نحن من جانبنا هو: "إن الفقر هو أسّ البلاء في مشاكل العالم الذي نعيش فيه، والفقر هنا ليس بمعنى " رقة الحال" (تأمل جمال ودقة البلاغة العربية) لأن رقيق الحال إنسان مستور في التحليل الأخير، صحيح أنه يكسب ما يكفي وبالكاد، وصحيح أنه لا يعيش حياة من الرغد أو البلهنية فهو لم يتعود ولم ينشأ عليها وربما لا يطمح إليها، لكنه يستطيع ولو بشق الأنفس أن يلبي احتياجاته الأساسية ويصون كرامته كمواطن وكإنسان".

إن الفقر الذي نقصده ويقصده الأستاذ ساكس وسائر المحللين السياسيين والمخططين الإنمائيين هو الفقر المدقع الذي يصل بحياة البشر إلى وهدة الخط الأحمر الذي لا ينبغي تجاوزه أو النزول تحته في حياة البشر المعاصرين.

إن الفقر المدقع لا يقف وحسب عند الفشل في إشباع الاحتياجات الأساسية للبشر، إنه يصيب البشر بالقنوط ويحول الكائن البشري ـ خاصة الشباب ـ إلى حطام إنسان.

من هنا نفهم وبحق السبب الذي دفع تراثنا الروحي المضيء إلى أن يقرن الفقر بالكفر (كاد الفقر أن يكون كفراً) أو يشدد هذا التراث البليغ الجليل على ضرورة محاربة ومكافحة الفقر بكل ما يسع البشر من وسائل (لو كان الفقر رجلاً لقتلته) بل يذهب التراث المتواتر إلى حد الرفض الثائر الناجز الباتر (عجبت لمن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه) من هنا أيضا نرمق ونستعيد بإعجاب كلمات شاعر عربي معاصر هو الراحل صلاح عبد الصبور حين يقول في مسرحيته "مأساة الحلاج": "ليس الفقر هو الجوع إلى اللقمة والعري إلى الكسوة، الفقر هو القهر".

وإذا كان مفهوما ـ برغم أنه مرفوض ـ أن يتابع عالمنا المعاصر مشاهد مؤلمة ـ وربما مخزية إنسانيا ـ لتراجيديا الفقر المدقع والمجاعة الوبيلة والوصول بحياة البشر إلى قاع السقم الجسمي والهوان الروحي والنفسي في أقطار من إفريقيا أو في جزر المحيط أو في شعاب أميركا اللاتينية إلا أن المفاجأة المثيرة والمباغتة تمثلت في الأشهر بل والأسابيع الأخيرة في مشاهد وعقابيل آفة الفقر المدقع التي تابعها العالم، ولعله لايزال يتابع أصداءها في اثنين من أهم أقطار العالم هما أميركا وفرنسا.

الفقر أميركي . وفرنسي أيضاً

وما أبعد الشقة اليوم عن الشعارات التي أعلنها وما برح يتبناها كل من هذين البلدين:أميركا شعارها المعلن يقول، ولاسيما بعد واقعة 11 سبتمبر: نحن أعظم أمة وجدت على ظهر البسيطة.

ثم جاء إعصار كاترينا في الصيف المنقضي ليكشف بغير مواربة، وفي غمار ملابسات مأساوية بحق، أن أعظم الأمم قاطبة مازالت تضم فئات بشرية وشرائح سكانية وتجمعات طبقية ممن يعانون الفقر المدقع ما بين شحة الموارد وشظف المعيشة والاستبعاد الاجتماعي..

لدرجة أنه عندما حلت بهم جائحة الإعصار و ناداهم النذير الإعلامي أن يفروا من حيث مساكنهم وينجوا بحياتهم ثبت أن هؤلاء المواطنين الأميركيين من ضحايا الفقر المدقع أعجز من أن يجدوا وسيلة للحركة.. وأفقر من أن يلتمسوا سبيلا للهرب أو النجاة.

أما فرنسا فقد ظلت ولعلها لا تزال تختال على عالمها بأنها حاضنة شعارات الحرية والإخاء والمساواة وأنها راعية فكر الاستنارة والإبداع البشري، كيف لا وقد تعارف الناس على أن يصفوا عاصمتها باريس بأنها »مدينة النور« وهي العاصمة نفسها التي مازالت تلعق جراحها بعد أن تعرضت ضواحيها ومشارفها وأرباضها إلى ثورة غضب اجتاحت النفوس أولاً ثم انتقلت من جوانح البشر إلى السيارات والمباني والممتلكات والمؤسسات والشوارع فإذا بها وقد تعرضت للإحراق والإفساد والتدمير.

وكما ساد الولايات المتحدة خلال الفترة القريبة الماضية ما وصفه مراقبو المشهد الأميركي الراهن بأنه "خطاب الفقر" فقد أصيبت فرنسا بدورها بما وصفته "كاترين فيلد" الكاتبة الأميركية المقيمة في باريس بأنه وجع في قلب فرنسا

ثم أكدت في مقال منشور بجريدة »هيرالدتربيون الدولية عدد 8/11/2005« أن انتفاضة ضواحي باريس لم تأت مفاجأة لأحد بل إن جمهرة الساسة المحليين والاخصائيين الاجتماعيين بل ومسؤولي الشرطة والمعلمين والسكان أنفسهم ظلوا يطلقون تحذيراتهم إزاء تفاقم المشاكل التي يعيشها أو يعانيها سكان منطقة "كليشي يوبوا" حيث الحياة أبعد ما تكون عن حياة باريس وخاصة من حيث بطالة الشباب التي بلغت ( كما تؤكد مجلة الايكونومست البريطانية في أحدث تقديراتها أكثر من عشرة بالمئة).

ونحسب أن خطاب الفقر في أميركا أو في فرنسا لابد وأن يوازيه خطاب آخر يمكن أن نصفه من جانبنا بأنه "خطاب العنصرية" بمعنى التمييز بين البشر على أساس الأصل العرقي وربما لون البشرة التي فطر الله سبحانه خلقه عليها، في أميركا اثبتت عاصفة كاترينا أن الفقر كان قريناً بالسود الملونين أحفاد العبيد المجلوبين خلال حقبة تجارة الرقيق من اصقاع غرب إفريقيا.

وفي فرنسا ثبت أن حوادث الشغب كما وصفوها وانتفاضات الفقراء كما نسميها جاءت بدورها قرينة بمجتمعات المهاجرين القادمين من الاصقاع الفرانكفونية ـ الناطقة بالفرنسية من غرب أفريقيا أو من أبناء شمال إفريقيا (منطقة المغرب العربي الكبير) الذين لا يفصل بينهم وبين فرنسا، إلا مياه البحر المتوسط ..

ومن عجب أن السود في أميركا مواطنون أميركيون، كما أن معظم الملونين المهاجرين في فرنسا هم، أيضا مواطنون فرنسيون مسلمون في غالبيتهم العظمى بمعنى أن هؤلاء وأولئك ليسوا دخلاء ولا متطفلين على الارض التي يعيشون عليها.

وبمعنى أنهم يطالبون بحق مشروع، توجيه وضعية المواطنة ومشروعية هذه الوضعية فالقضية المحورية ليست مجرد الفقر بمعنى الافتقار إلى الموارد الاقتصادية ولكنها قضية أشد خطراً وأوسع نطاقاً.

إنها قضية اقتران الفقر بالبطالة، وهي السبيل أو المنحدر الخطير المفضي إلى تضاؤل النظرة إلى الذات ولاسيما بين صفوف الشباب ومن ثم تدنيّ الإحساس بالجدارة، وهو منزلق يفضي بدوره إلى إدمان المخدرات وإلى سقوط الهمة وجنوح الأحداث وإنحراف الأخلاق وإلى تعاطي كل صنوف السلوك الإجرامي وتفكك العائلة على نحو ما تضيف الكاتبة كاترين فيلد التي أحلنا إليها وهي تلخص آراءها إزاء هذا الصدد

فتقول: "إن هذا كله يفضي إلى حالة من اليأس الغاضب أو الغضب اليائس مما يجعل شباب المهاجرين في فرنسا يسقطون فريسة للصعلكة والتخريب والانخراط في سلك العصابات الإجرامية" ثم لا تلبث الكاتبة الأميركية أن تضيف إلى هذه القائمة ما تصفه بأنه "الإسلام الراديكالي".

كاتب مصري