فرق بين أن نتعاطف ونحزن إزاء ما عرضته نشرة أخبار الإمارات بخصوص الخادمتين اللتين ضبطتهما الكاميرا متلبستين بضرب وتعذيب الطفلة التي يُفترض أنهما موجودتان للعناية والاعتناء بها في غياب والديها ـ أقول فرق كبير بين التعاطف والمفاجأة في ما عُرض.

والحقيقة أنه لا مفاجأة في القضية على الإطلاق، فالحديث عن الخادمات وتأثيرهن ومخاطرهن على الأطفال حديث قديم جداً، والذاكرة الجمعية لأفراد المجتمع يفترض بها أن تكون مليئة بالحكايات الكثيرة البشعة والمرعبة والمقززة.

الجديد في ما عُرض علينا، عبر نشرة أخبار الإمارات، هو صدمة الصورة، فأنت تعرف أن هذه الخادمة تعامل الطفل في غياب والديه بقسوة، وقد مرّ عليك أكثر من خبر عن خادمة وضعت للأطفال مسحوق الصابون في زجاجة الحليب، وأخرى كانت تجعل الطفل يمص إبهام قدمها أثناء جلوسها طيلة الوقت أمام التلفزيون، وثالثة كانت تعتدي عليه جنسياً، ورابعة وخامسة.. الحكايات كثيرة، والقصص تشيب الرأس كما يقولون، لكننا ربما اعتدنا على النسيان، وحوّلناه إلى أحد أكثر الفضائل الجديدة انتشاراً هذه الأيام.

كثيرون صدمتهم الصورة، لكنهم هم أنفسهم لم يُفاجأوا، ولم تكن حيثيات المشهد البشع وتفاصيلها جديدة، فهناك ما هو أبشع وأكثر ترويعاً من ضرب طفلة بـــ »النعال« أو سحبها معلقة من قدميها، مع ذلك فالصورة ضرورية والصدمة ضرورية أيضاً، ذلك أن كثيرات وكثيرين لم يعد ينفع معهم النصح وكلام التربويين ونصائح وسائل الإعلام في قضية تربية أبنائهم، وأخذ الحيطة والحذر من خدم المنازل وخادماتها، كثيرات وكثيرون لا ينصتون جيداً حين تحدثهم عن مخاطر بقاء الطفل طويلاً تحت رعاية الخادمة، أو تخلي الأم عن دورها ـ حتى وهي في المنزل ـــ للخادمة بحجة التعب وإرهاق العمل، والحقيقة أن كثيرات وكثيرين تخلّوا واستقالوا من أمومتهم وأبوّتهم لصالح الخدم وببرودة أعصاب!

هؤلاء يحتاجون إلى صدمات مصوّرة، وليست صدمة واحدة فقط، ليعلموا حقيقة الخطر الذي يزجّون أطفالهم فيه يومياً بدواعي الانشغال في العمل والوظيفة والتجارة ولساعات متأخرة من النهار.. لمن هذا العمل وجمع المال في النهاية؟ حين تسألهم فإن أمثال هؤلاء الآباء والأمهات لا يترددون في التباهي بأن ذلك من أجل الأبناء، من أجل بناء مستقبل أفضل وحاضر أكثر رفاهية وراحة، فعن أي أبناء يتحدثون؟

عن أبناء لا يتبرّعون لهم بساعة أو ساعتين من الوقت يقضونه معهم، عن أبناء مقذوفين في جحيم غرف الخادمات وأحضانهن طيلة النهار؟ أي انتماء للعائلة وأي حب للأسرة، وأي حنان، أي إحساس سيتولّد في قلوب هؤلاء الصغار لأهلهم وعائلتهم؟ ناهيك عن التشوُّهات النفسية والأخلاقية التي تتراكم في دواخلهم نتيجة العشرة الطويلة مع الخدم.

وفي النهاية، يأتي كثيرون ليطالبوا بمعاقبة الخادمات وضربهن وسحلهن.. نتيجة ما ارتكبنه في حق الطفلة، نعم لقد ارتكبن جريمة اعتداء صريحة متوافرة الأركان بحسب الشريط المعروض، لكن من هو الجاني الحقيقي في مثل هذه الجرائم؟

sultan@dmi.gov.ae