ان من السهولة وصول شخص معين إلى سدة الحكم، ولكن من الصعوبة ان يتعامل كما يتعامل العقلاء والحكماء والنبلاء.. والفرق كبير في المجتمع بين اولئك الذين يعلمون كيف يحكمون وبين الذين لا يعلمون فن الإدارة وأسلوب الحكم.
ان أسوأ أنواع الحاكمين هم أولئك الذين يعدون أنفسهم فوق البشر، ولا يعملون من اجل رقي بلدانهم، ثم أولئك الذين لم يصدقوا أبداً أنفسهم قط في دنياهم التافهة أو الساخرة التي رفعتهم فجأة إلى مصاف الزعماء.
وهم بعيدون كل البعد عن الحلم والمقدرة والفهم والحكمة وعن بعد النظر وعن الذكاء ورؤية المستقبل! انه حقا افتراق التاريخ الذي يصنعه الزعماء.. فإما الانطلاق في الطريق السريع وإما الدخول في زقاق لا مخرج فيه !!
أصناف الزعامات
ان الزعماء الذين يتسلمون السلطة فجأة من دون أي مراس أو تجربة يضّرون بمصالح ليس دولهم فحسب، بل لكل المنطقة والعالم. وسواء صفق الناس لانقلابات عسكرية، أو قدّسوا جماعة سمّت نفسها بضباط أحرار خانوا الأمانة .
أو سواء استخدم الناس صندوق الانتخابات الذي يتشدقون بمشروعيته وهو مزيّف الآخر كونه اعتمد على من تلاعبت بعقولهم العواطف الشخصية أو البلادة الطائفية أو المصالح المالية والطفيلية..
ان الشعوب اذا ما تبلّدت عقولها وتغّيب وعيها وماتت وطنيتها، فسيحكمها زعماء مضحكون يودون ببلادهم إلى الخراب والنكبات والتهلكة والظلام، وستجدهم وقد أصبحوا يمارسون الدكتاتورية والشمولية ويصنعون الكوارث والويلات.
ولكن العكس صحيح اذ من حسن حظ أي شعب ان يتزعمه رجل رحيم حليم حكيم قوي الإرادة له سحر الانجذاب وله الكلمة النافذة يستمع للآراء حتى يصنع قرارا نافذا مؤثرا.. كما ينبغي ان يكون له صدقيته ليكسب ثقله في المجتمع الدولي.
ان عدة تجارب قد مرت على بلداننا العربية والمجاورة وشهدنا أنواعا عدة من الزعماء في القرن العشرين، فمنهم من امتلك شرعية تاريخية من خلال مواريث خديوية أو شريفية أو ملكية أو أميرية أو مشيخية .
وتمّرس على فن الحكم لسنوات طوال، ومنهم من أفرزته مؤسسة أمنية أو ثكنة عسكرية لكي يبقى زعيما أبديا، ومنهم من جاء من خلال حزب ثوري فرض نفسه على الحياة وأصبح زعيما أو ديكتاتورا..
ومنهم من امتلك شرعية سياسية من خلال صندوق انتخابات ولكن مورست على هذا الصندوق سلطة طائفية أو سلطة عسكرية أو سلطة حزبية.. ان ما يهمنا حقا الوعي بمفهوم الزعامة ومن يحق له ان يكون زعيما حقيقيا بامتلاكه مشروعية من نوع ما.
قادة فاشلون وآخرون لامعون
وبطبيعة الحال فإن الفاشلين يقترفون ذنوبا ويرتكبون أخطاء ويتصدرون مواقف سلبية تودي إلى المهالك بعد ان يدخلون بلادهم في أزمات ومشكلات ومعضلات لن تستطيع الخروج منها..
فالعالم كله لا يعرف الناس والشعوب إلا من خلال زعمائهم فهم الذين يمثلون شعوبهم. والمشكلة في مثل هؤلاء الحكام ان العالم كله وبرفقة العالم شعوبهم تراهم في حالة.
وهم ينظرون إلى أنفسهم والعالم في حالة أخرى.. انهم لا يعترفون بواقعهم وإمكاناتهم أبداً، ولم يتعلموا من تجارب غيرهم ابدا، كما لم يقرأوا التاريخ ليدركوا كيفية تجاوز الأخطاء وإصلاح الخلل.. ان أهم ما يستوجب حصوله :
متابعة الزعماء لما يجري في العالم وتوفير الأمن والاستقرار وان لا تغدو مجلبة للمهالك والمصائب القاتلة.. ناهيكم عن مجاراة العصر وتطوير القوى البشرية والموارد الاقتصادية والبرامج الحضارية.
ان ثمة زعماء عرب ومن هذه الجزيرة العربية قد اثبتوا للزمن انهم رموز تاريخية حية كونهم من البناة الذين طوروا بلادهم ووحدوا شعوبهم من دون ان ينحازوا أبداً لأي طرف من الأطراف، اذ يبقى هؤلاء فوق كل الميول وفوق كل الاتجاهات.
ان هناك تجارب كارثية ومخزية ــ ويا للأسف ــ لزعماء معروفين في تاريخنا المعاصر، اذ ستبقى مثالا حيا ومريرا في تاريخنا المعاصر..
ولابد ان يتعظ الزعماء منها مستقبلا؟ اننا في زمن تحتاج فيه المنطقة إلى علاجات داخلية حقيقية وإلى هدوء وامن واستقرار من دون اي تدخلات دولية لهتك امن المنطقة..
متى يتم استنباط الوسائل التي تعيد بعض الزعماء والحكام إلى رشدهم وإلى الصراط المستقيم.. أي إلى شعوبهم وتعيد قوتهم وتعيد ثقتهم بأنفسهم بعد ان تكشّفت حقائقهم وانجلت كفاءتهم؟؟ متى يتخلصّون من عقدة »الأنا«؟ متى يتمكن بعضهم الآخر من عقلنة انفسهم قبل ان يطالبوا بقهر شعوبهم؟
إن القضية المركزية لم تعد »قميص عثمان« يلبسونه متى شاؤوا وينزعونه متى ارادوا؟ متى يكونون حكاما يعشقون أوطانهم ويساعدون شعوبهم من اجل تجنب الكوارث والمآسي؟؟ وعند ذاك ستتبلور أدوات حقيقية للإخاء والاستقرار والنمو والبناء والرخاء؟
وأخيرا : ماذا اقول؟
وأخيراً، أقول بأن الزعماء الضعفاء من النواحي السياسية والإدارية والريادية يعلمون علم اليقين بحجومهم، وهم يدركون مستوياتهم الضحلة وهم يعرفون أنهم في مواقعهم جناية على بلدانهم، وعندما تحدث الكوارث بسببهم لا يعرفون ماذا يفعلون !
وهنا أقول بأن مثل هؤلاء لا يمكن ان يبقوا في السلطة ساعة واحدة، ولابد ان يحترموا بلدانهم فيغادروا مواقعهم لمن يكون مؤهلا للزعامة وحمل الأمانة..
وعليهم ان يؤمنوا بأن الرجل المناسب في المكان المناسب كي يجد الشعب زعيمه ضمن آلية دساتير مدنية وأعراف عريقة وتقاليد سلمية.. انه نداء صريح من اجل ان يكونوا أصحاب كلمة حق وان يتوقفوا عن أجندتهم الجنونية كيلا يجروا الناس إلى غمرة الاستحقاقات المتنوعة الداخلية والإقليمية والدولية.
وهم يفرشون الطريق إلى الكوارث المدمرة والى المزيد من النكبات المؤلمة، كما جرّنا إليها من سبقهم. فهل سيتحقق حلم العقلاء بوصول زعماء عقلاء عمليين براغماتيين إلى السلطة العليا؟؟.. هذا ما سيكشفه لنا الزمن.
مؤرخ عراقي