إذا كان صدام الحضارات أمرا غير مبرر تاريخيا أو أخلاقيا , فإن الحوار بينها أمر غير متصور على هذا النحو الذي فرض نفسه في شكل حمى دعاوى ونداءات للغرب منذ أحداث سبتمبر للجلوس معا في غرف مغلقة.
وإصدار تصريحات دعائية حول ضرورة التعايش، فالحوار الحضاري حقيقة تاريخية تمت ممارستها فعلا ولكن عبر استعارات متبادلة لم تتوقف بين نماذج فكرية.
وتكوينات سياسية كانت هي مدارات التفاعل والحوار لدى كل حضارة تسعى إلى التجدد عبر توليف دقيق بين ما تعتبره هو ذاتها وبين ما تراه جيدا لدى الآخر في نزعة جدلية لم تتوقف منذ فجر التاريخ.
هذه النزعة يجسدها بامتياز النموذج التركي والجدل الذي يعيشه منذ قرنين بين الإسلام والحداثة أو بين »العثمانية التقليدية«، و»الأتاتوركية« التي جسدت نوعا من الانقلاب على الهوية الإسلامية التاريخية.
وهنا يستفز النموذج التركي على نحو مثير للذهن مفهوم الجدل التاريخي بالمعنى الهيجلي لا الماركسي حيث النموذج العثماني الإمبراطوري أو »العثمانية التقليدية« يمثل الصورة الأولى أو الأصلية الموجبة للهوية التركية.
وهي صورة استمرت قائمة نظريا حتى إعلان الجمهورية عام1923, وسقوط الخلافة رسميا عام1924, لكن الفهم التاريخي للتطور التركي يؤكد على أن الصورة النقيضة أو السلبية »الأتاتوركية« , كانت تتخلق في رحم الأولى منذ بداية الثلث الثاني للقرن التاسع عشر.
وتحديدا منذ بداية عصر التنظيمات في1839, ثم تنامت مع إعلان أول دستور عام1876, مرورا بتكوين جمعية الاتحاد والترقي التي أجبرت السلطان عبدالحميد على إعادة العمل بالدستور عام1908, ثم الحرب التحريرية التي قادها كمال أتاتورك انطلاقا من فضاء الدولة الوطنية وليس الامبراطورية التاريخية في مواجهة الاحتلال الغربي بعد الحرب العالمية الأولى.
ولقد استمرت هذه الصورة السلبية في النمو لأسباب موضوعية على رأسها التراجع التركي المستمر في مواجهة أوروبا منذ هزيمة العثمانيين, أمام روسيا منتصف القرن الثامن عشر, ومنها تفكك الأبنية التاريخية القائمة على الإقطاع الديني العسكري الذي جسدته العثمانية التقليدية مع زحف العصور الحديثة.
وعندما أدركت الخلافة العثمانية تلك الحقيقة بدأت في التكيف معها ومحاولة تحديث نفسها باستعارة النمط الأوروبي, وكان في قلب هذه العملية التاريخية الجيش العثماني نفسه الذي مثل الأداة العملية في التحديث سواء على صعيد وسائل قتاله وأنماط تدريبية ووسائل عيشه ونظام الحياة والملبس داخله.
أو على صعيد قيامه هو نفسه بمحاولة زرع التحديث في الخلافة نفسها, ثم وهو الأهم قيامه بتحرير الأرض التركية وإعلان الجمهورية القومية الحديثة في اللحظة التاريخية التي شهدت انقلابا في اتجاه الجدل بين طرفي الصورة فباتت العلمانية الأتاتوركية هي الصورة الأصلية أو قطب الجدل الموجب بديلا للعثمانية التقليدية.
والتي أخذت في التواري تحت سطوة عملية التغريب العنيفة التي قامت بها النخبة الأتاتوركية من خلال الجيش والبيروقراطية التركية, التي حاولت إلغاء رموز الهوية التركية, بدءا من الخلافة الإسلامية عام1924, ثم إلغاء الطربوش عام1925, وحل الطرق الدينية عام1925.
وتبني القانون السويسري عام1926, وإلغاء اعتماد الإسلام كدين رسمي للدولة عام1928, وتغيير حروف الكتابة من العربية إلى اللاتينية عام1928, ورفع الآذان بالتركية عام1932.
غير أن الكمالية كصياغة علمانية متطرفة للهوية لا تأخذ الموقف المحايد من الدين كما في السياق التاريخي الغربي , بل تعاديه على المستوى الاجتماعي والطقوسي , قد استفزت منذ الخمسينات نزعة إحيائية عميقة.
وإن كانت خافتة للإسلام الذي كانت عملية التغريب قد قمعته فقط دون قدرة على اقتلاعه من وجدان الإنسان التركي, باعتباره معينا نهائيا للهوية والخلاص الروحي الفردي في مواجهة قسوة عملية التحديث وتعثرها في الوقت نفسه.
وبالطبع لم يكن الإسلام الذي انبعث سالبا هذه المرة في الجدل حول الهوية هو الإسلام التقليدي بمكوناته ومقولاته التقليدية, بل الإسلام الحديث أو »العثمانية الجديدة« ذات العمق الوطني .
والروح الديمقراطية الحديثة والتوجهات الاجتماعية الاقتصادية المتوازنة, وهي المقومات التي جعلت منها منذ تسعينيات القرن الماضي طرفا قويا مؤثرا في الجدل حول الهوية.
ورغم إجهاض تجربة حزب الرفاه لمهندس عملية الإحياء الإسلامي نجم الدين أربكان, والذي تم تفكيكه وتجميد زعيمه وتراجع وريثيه الفضيلة ثم السعادة, فإن الصعود الكبير لحزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان أثبت قدرة العثمانية الجديدة على التجدد, بل والتمدد أيضا باعتبارها تجذيرا للإسلام في المجتمع وليست فرضا للإسلام السياسي على الدولة.
هذه الصياغة المتوازنة للهوية والتي تصالح بين الإسلام والحداثة هي القاعدة التي تتقدم من عليها تركيا لعضوية الإتحاد الأوروبي. وهنا تمثل خبرة مفاوضات بروكسل التي بدأت أول أكتوبر الماضي اختبارا حقيقيا لحرص أوروبا ـ الغرب على العيش المشترك .
والآمن مع عالم الشرق الحضاري الإسلامي العربي يبقى النجاح فيه مشروطا بالتسامح مع القيم الثقافية للحضارة الإسلامية حيث تقدم تركيا نموذج الإسلام الحديث العقلاني المعتدل إلى أوروبا.
وهو النموذج الذي طالما ألح عليه الغرب واعتبره شرطا لتعايشه معه، بعد ان كانت هي نفسها التي قدمت أولى الصور النمطية في العصر الحديث عن المسلم المدجج بالسلاح على أبواب أوروبا وحول فيينا.
كما تستطيع في الوقت نفسه ان تقدم للعالم العربي نموذج الدولة الوطنية الحديثة التي تقوم على قاعدة المواطنة وتتصالح داخلها الهويات الفرعية العرقية والطائفية من دون انقسام .
أو تفتت، فهذا النموذج يستطيع الهام العديد من دولنا العربية المأزومة بتعدديتها الثقافية أو المجتمعية ،والمولدة للإرهاب من ناحية، والى الهجرة غير الشرعية من ناحية أخرى وهما اخطر ما تعانيه أوروبا والغرب.
وهو كذلك النموذج الذي لابد لتركيا أن ترتقي إليه كشرط لدخول إلى البيت الأوروبي، ولعل خطوات استنساخه بدأت تجري ضمنا في ذلك القدر الملموس من التسامح في التعاطي الفكري والسياسي مع قضايا الأقليات الأساسية في تركيا وخاصة مع الأكراد، والأرمن.
هذا المنحى الإيجابي هو ما ذهب اليه المستشار الألماني السابق شرودر الذي رحب بالمفاوضات بين الإتحاد الأوروبي وتركيا مؤكدا على »ان اثبات تركيا توافق الإسلام مع قيم التنوير الأوروبية سيؤدي إلى استقرار كبير في القارة«.
غير أن هذا المنحى لا يتوفر له الإجماع الآن فهناك تيارات فكرية وسياسية نقيضة تكاد تكون وريثة للمركزية الغربية لا تبدى مثل هذا التسامح الثقافي فتضع الانتماء الديني لتركيا عائقا يحول دون ولوجها إلى البيت الأوروبي سواء صرحت بذلك حينا أو أضمرته أحايين مغلفة له بشروط سياسية واقتصادية بالغة القسوة والتعنت.
ولا شك أن انتصار هذه الأخيرة سوف يدفع تركيا إلى نهج راديكالي في التعامل مع القضايا الإقليمية الأمنية والإستراتيجية وهو المنحى الذي حذر منه الرئيس الفرنسي جاك شيراك حينما صرح بأن »تركيا ستكون معرضة للوقوع في التطرف اذا أغلق الإتحاد الأوروبي أبوابه أمامها«.
كما أنه سوف يعطي للتيارات السلفية العربية مبررا جديدا ثقافيا لكراهية الغرب وممارسة العنف ضده ما يجعل من هذا المنحى خطوة على طريق الصدام.
كاتب مصري