لا أتفق مع تصرفات كثير من آباء وأمهات هذه الأيام مع أبنائهم، ليس لأنني ضد التطور والتحضر، ولكنني ضد تمييع الأمور واختلال الموازين، فمن غير المقبول ولا المعقول أن يملك طفل في الصف الثاني أو الثالث الابتدائي جهاز هاتف محمول آخر موديل، فقط لأن والده يستطيع ان يشتري له هذا الجهاز، كما يدعي الوالد، "الخير كثير"، أو لأن »الولد سيتعقد، وأولاد الجيران أو الذين معه في الصف ليسوا أفضل منه« بحسب حجة السيدة الوالدة!

أعلم يقيناً أنه لا أحد أغلى على الإنسان من ولده، وأن الوالدين يكدان ويتعبان لراحة الأبناء ومستقبلهم، ولكن من قال إن الراحة والحب يكمنان في التدليل الزائد عن الحد، أو في وضع كل ما يطلبه الأبناء تحت تصرفهم دون تفكير في العواقب أو النتائج؟ فماذا يفعل طفل الابتدائية بالموبايل؟ ما حاجته له بالضبط؟ وإذا امتلك جهاز »موبايل« في الابتدائية فماذا نتوقع أن يملك في الإعدادية أو الثانوية؟

توقعات الأطفال أصبحت عالية جداً من آبائهم، ومطالب المراهقين زادت عن الحد، ليس لأنها لدينا تغيرت ـ وهي قد تغيرت بالفعل ـ ولكن لأن معايير التربية اختلت بشكل واضح، مما أثر على علاقة الوالدين بأبنائهم، وعلى شكل هذه العلاقة وضوابطها،

ولن نكون مبالغين اذا أقررنا بحقيقة أن الآباء والأمهات يكونون في الموقف الأضعف دائماً أمام طلبات الأبناء المتزايدة، ما يجعلهم يستجيبون دائماً لهذه الطلبات بحجة انهم يرون زملاءهم يملكون أشياء مشابهة " أو "كل الأطفال يطلبون الشيء نفسه" أو "نخاف إذا لم نلب طلباتهم ان يحصلوا عليها من وراء ظهورنا بأساليب خاطئة".

الآباء أصبحوا يخافون من أبنائهم، بقدر ما يخافون عليهم، والأبناء يعلمون هذه الحقيقة ويستغلونها جيداً في الضغط للحصول على ما يريدون، الموبايل، كارت الهاتف، اسطوانات "الدي في دي"، الذهاب للمراكز التجارية حتى ساعات متأخرة، حضور آخر الأفلام السينمائية دون رقابة،

عمل حفلات أعياد الميلاد في بعض المحلات والفنادق، السهر في الخارج والنوم عند الأصدقاء و.. إلخ، وهنا نتحدث عن أبناء صغار جداً على هذا المدى من الحرية، لأن النتيجة غالباً ما تكون غير مرضية، وأول هذه النتائج وأهمها فقدان السيطرة عليهم لاحقاً، وسقوط هيبة الآباء والأمهات في نفوس الأبناء وقلوبهم.

عندما كنت طفلة كانت والدتي أو إحدى النساء في العائلة تدلل ابنها أحياناً ببعض السلوكيات غير المعتادة ما يلفت نظر جدتي، التي تعلن سريعاً عن عدم رضاها على ذلك السلوك، فما يكون من تلك النساء سوى التبرير بأن الولد غال وتدليله متعة لوالدته ووالده، فترد الجدة حازمة، حاسمة "الولد غالٍ، لكن تربيته وأدبه أغلى منه".. رحم الله جداتنا ـ كم كن بعيدات النظر!

sultan@dmi.gov.ae