يكثر هذه الأيام أولئك الذين ينطقون »بالحروف المائلة« على الساحة اللبنانية، وهذا حق لهم، لأنهم يتباهون بثورة الأرز التي صنعوها على رقعة جغرافية ضيقة أدهشت "البرتقاليين" في أوكرانيا، لأن الأداء الشعاراتي الذي مارسوه تفوّق على إعلانات المساحيق النسائية وأدوات التنظيف على ما يقول أحد المراقبين الأشقياء، لأن طموح ثورة الأرز على ما تبين فيما بعد، أنه يتجاوز النطاق الجغرافي للوسط التجاري لمدينة بيروت في ذلك الحين ويطمح إلى تغيير "الشرق" كل الشرق الأوسط، ويعتبر أن هذا التحرك "الثوروي الأرزي" هو النموذج الذي يريد أن يصنع الحلم، وهو بمثابة الشمس التي تريد أن تسطع بنورها في فضاء هذا الشرق الذي يخيم عليه الظلام الدامس.
تتكئ "ثورة الأرز" على قواعد فكرية متجذرة في أتون هذا الشرق المتعب من الثورات والمؤامرات والجيوش والخطابات الخشبية المدغمة بالحروف المائلة واللغة العنيفة التي تتشظى وعوداً سرابية قادت دوماً إلى الكارثة المتوقعة.
لا يرف جفن لقادة هذه "الثورة التلفزيونية" الاعتقاد الراسخ بمقولة "ليس على الكلام جمرك"، و"ألف قلبة ولا غلبة" ومن "أخذ أمي أقول له يا عمي" إنهم قادة يرطنون بكل اللهجات، وركوب كل الموجات، وقضية تغيير البارودة من كتف إلى كتف هي أسهل الاستراتيجيات التي تسّهل الوصول إلى الهدف بلا تعب وتحت الشعار إياه "الكلام ليس عليه جمرك".
قديماً قال العرب: "تحدث حتى أراك"، ثم قال شاعرهم: إن لجراحات السيوف التئام ولا يلتام ما تجرحه الألسن، فقد كانت الكلمة هي "العروة الوثقى"، لأن "الرجل كلمة" أما الآن وفي عصر "الثورات البرتقالية فالشعار هو: "السياسة فن حكم الشعوب وليس لها دين"، واللغة التي كانت عقلاً، أصبحت حروفاً مائلة تتراقص على الألسن كما ترقص شاكيرا على أنغام أغانيها ويرددها البعض ببغائياً كما تلبس الراقصات ثوب السهرة بعد كل وصلة تؤديهن أمام الجمهور.
عندما دخل هولاكو بغداد جمع علماء جامعة المستنصرية وخيرهم بين الحاكم العادل الذي يمثله نفسه وبين الحاكم الفاسد الذي يمثله الخليفة العباسي في ذلك الوقت المستعصم بالله وعلى جري العادة فإن المجتمعين الذين لم يملك أحد منهم شجاعة المواجهة،
أقروا لهولاكو كلامه لأنه المحتل الغازي وصاحب الكلمة الفصل الذي كان يحز الرقاب بلا شفقة ولا يعدم وسيلة لترسيخ جبروته ورهبته تجاوزت شجاعة العلم، ورسخت منطق الإذعان للأمر الواقع باعتباره حلقة من حلقات التخلص من ديكتاتورية حاكم بغداد في ذلك الوقت.
إنه التاريخ الذي يدور دورته الكاملة، يعيد تكرار نفسه بلا كلل ولكن بأسماء مستعارة ورجال »مستعارين« لعل العبرة تأخذ طريقها يوماً إلى العقول التي تصر على النسيان وتتمسك بنعمة الغفران كما وصفنا ذات يوم الصهيوني المحتل موشيه دايان الذي لم يجد تعبيراً أحط من وصف العرب "بعدم القراءة، وإذا قرأوا فهم لا يفهمون"، مع العلم أن العرب هم أمة القراءة، وأمة المعرفة من المهد إلى اللحد.
إنهم أصحاب الحروف المائلة الذين كسّروا اللغة وجعلوها أضحوكة تلوكها ألسنتهم بشكل مقزز بعد أن خلعت الفضائيات اللبنانية بذلة الرقص و"الحنجلة"، ولبست الآن بذلة "المرقط"، استعداداً لخوض حرب تحرير شاملة تنقذ هذا الشرق من تعاليمه، ومن تقاليده ومن عاداته التي سحرت العالم بأسره.
إن الثورة البرتقالية اللبنانية التي أنجبت هذه المخلوقات العجيبة التي تثرثر حتى الثمالة ويمجون الحروف بحناجرهم المهجنة هي تمرين على مسرحة التزييف التي انطلقت من إحدى زوايا لبنان الذي صنع منذ سنوات قليلة مقاومة حقيقية نبيلة كانت برداً وسلاماً على قلوب العرب والمسلمين جميعاً..
ولكن هذا اللبنان المصاب بهذه الفئة المزيفة التي تشوه صورته الجميلة عاجزة للمرة المليون عن تحطيم إرادة هذا البلد الذي كان دائماً وأبداً منارة في هذه المنطقة التي تموج على وقع رياح التغيير العاتية، وإن أنصاف الكائنات الآدمية التي تلثغ بألسن هجينة ضعيفة أمام إرادة شعب قرّر أن يحيا بكرامته وإرادته مهما تحالف الأشرار عليه.