انتقدت المفكرة والباحثة والمستشرقة الألمانية الراحلة آنماري شيمل المنحى الذي يتخذه الكثير من الباحثين الأوروبيين حين يتحدثون عن الإسلام، وبالذات حين يتحدثون عن مكانة المرأة المسلمة والنصوص الإسلامية التي فندت موقعها أو تعرضت له، انتقدتهم بقولها "ان معظم هؤلاء الباحثين لم يقرأ النصوص الإسلامية ولم يعرفوا عنها المعرفة التي تعطيهم إمكانية تفنيدها أو نقدها، لأن هؤلاء الباحثين"، كما قالت، "كان ينقصهم في أكثر الأحوال المسك بالأداة الحقيقية التي تخولهم لمعرفة ذلك التراث، ألا وهي الأداة اللغوية.
لقد قالت آنماري شيمل ان أكثر الباحثين الأوروبيين الذين تصدوا لدراسة الإسلام وبلدانه كانوا يجهلون اللغات التي يتحدث بها أهل تلك البلدان، كالعربية والأوردية والفارسية والتركية وغيرها من اللغات،
وهذا الجهل في نظرها شكل عائقاً حقيقياً أمام أولئك الباحثين في معرفة التراث الثقافي للشعوب التي يسعون لمعرفتها أو دراستها، وجعل دراساتهم تأتي في غالب الأحيان متحيزة للنظرة الغربية لذلك التراث. وهذا يقودنا إلى إدراك حقيقة أساسية في مجال الدراسات الإنسانية تحديدا، وهي أن الجهل باللغة وبطبيعة الثقافة لأي مجتمع لا يمنحنا القدرة على معرفته المعرفة الكافية ولا يعطينا الحق في تصدير الأحكام عليه.
بطبيعة الحال هذا ليس بموقف المفكرة الراحلة آنماري شيمل وحدها، لأن الباحثين الملتزمين بأخلاق البحث الحقيقية يدركون أن دراسة أو معرفة أية ثقافة المعرفة الكافية لا يمكن أن تتحقق إلا بمعرفة اللغة التي تعبر بها تلك الثقافة، وأنه بدون تلك الأداة تبقى المعرفة إما منقوصة أو مشوهة.
هذا الموقف عبر عنه أيضا المفكر الراحل إدوارد سعيد حين انتقد المنحى الذي اتخذه الكثير من "المفكرين" في الولايات المتحدة حين تعاملوا مع منطقتنا العربية في كتاباتهم، حيث قال أن غالبية هؤلاء يجهل الكثير والأساسي عن تلك المنطقة، وبالذات لغاتها، مما جعلهم لا يصدرون أحكاما خاطئة فقط في حقها ولكنهم دفعوا حكومتهم، نتيجة لذلك الجهل، وباعتبارهم يشكلون جزءا من قياداتها الفكرية، نحو انتهاج سياسات حمقاء لا تتسم بالمعرفة الحقيقية لثقافات تلك المنطقة.
على عكس تجربة الكتابة الأوروبية الغربية التي اتسمت في الكثير من الأحيان بأنها تقوم على إدراك أفضل بطبيعة تلك المنطقة، بالذات طبيعتها الثقافية.
وفي المقابل، نرى أنه لم يتمكن المفكر العربي الدكتور عبدالوهاب المسيري من الوصول إلى تكوين رؤية نقدية ثاقبة للفكر الغربي لولا معرفته واقترابه من ذاك الفكر لغة وثقافة، ولم تكن المفكرة آنماري شيمل لتدرك جوهر الفكر الإسلامي وخصوصيته لو لم تقترب من ذلك الفكر لغة وثقافة.
حتى المفكر الكبير إدوارد سعيد لم يكن ليتسنى له أن يكتشف تجليات الخطاب الاستعماري في الأدب الغربي بطيوفه المختلفة لو لم يقرأ ذلك الأدب قراءة نقدية سلحته بها معرفته العميقة بالثقافة التي أنتجت ذلك الأدب، ومن خلال معرفته اللغوية تحديدا.
أيضا من يقرأ كتابات بعض المفكرين من مناطق شمال إفريقيا يدرك أن هؤلاء وصلوا إلى رؤاهم التحليلية العميقة في كتاباتهم من خلال معرفتهم الحقيقية بثقافة الجهة التي كانوا يتحاورون معها.
نحن نفهم الإشكاليات الغربية في التخبط في وضع السياسات المناسبة حين التعامل معنا، نظراً للجهل التاريخي الكبير الذي شاب علاقة الغرب بنا، لكننا بالمقابل لا نفهم سلوك بعض قياداتنا المجتمعية حين تستعين بـ »خبراء« غربيين، وبالذات في المجالين الفكري والثقافي، نظرا لأن الكثير من هؤلاء الغربيين تنطبق عليهم كل الإشكاليات المتعلقة بكيفية التعامل مع الثقافات المختلفة عن ثقافاتهم ومنها الجهل بلغة الثقافة التي يتعاملون معها. هذا الجهل لا ندينه نحن فقط، ولكن أدانه قبلنا أناس غربيين من أمثال آنماري شيمل حين أدركوا أن التعامل مع الآخرين من منطلق الاحترام يفترض المعرفة بلغتهم وبثقافتهم.
لذا فإننا نقول انه لا يعقل مثلاً أن تأتي مؤسسة فكرية عريقة عندنا وتنصب شخصاً غير عربي في إدارة تسمى بـ »إدارة اللغة والتراث«، وهذا الشخص يجهل لغة وتراث البلد الذي يعمل به. فهل في هذا الأمر استهانة من قبل تلك المؤسسة بلغتنا وبقيمنا الثقافية وبتراثنا؟ وهل ترى تلك المؤسسة أن تراثنا فقير جدا وهامشي لدرجة أنه ليس من الضروري لمن يتعامل معه أن يعرفه بعمق؟
في مجال آخر تأتي مؤسسة علمية بسيدة أجنبية تحمل درجة الماجستير وتكلفها بوضع منهاج عن الأدب العربي وهي لا تعرف اللغة العربية ولا تعرف شيئا في هذا الأدب ولا من هم رموزه؛
وبالتالي كل الذي فعلته تلك السيدة أنها دخلت إلى مواقع مختلفة في شبكة الانترنت وبحثت عن أسماء لشعراء وكتاب عرب، بعضهم كان وهمياً (لأن بعض من سألتهم تلك السيدة قصد، لعدم قدرتها على التمييز في أن يضللها) وبالتالي انتهت في أنها جاءت بمعلومات عن أناس أو كتاب غير معروفين ولا يشكلون فواصل مهمة في الثقافة العربية.
ولقد قصدت أن أقول أن تلك السيدة لم تكن تحمل إلا درجة الماجستير، لأن تلك المؤسسة التي استعانت بها تزخر بكفاءات مواطنة وعربية، لا تعتبر قادرة فقط على وضع منهاج لدراسة الأدب العربي، بل أكثر كفاءة في وضع الأفضل في اختياراتها من تلك السيدة، وأن جميعهم كانوا يحملون درجات علمية أعلى من درجتها.
نحن لا نعرف حقيقة من يتخذ لنا تلك القرارات! وكيف! ولماذا اتخذت؟ الذي نلمسه فقط ان هذه القرارات لم تكن مدروسة بالشكل الكافي وأنها بحاجة للمراجعة حتى لا نلمس من تداعياتها مستقبلا خراب لا نستطيع إيقافه. كما أننا نتساءل، ترى الا يعتبر حدوث مثل هذه الأمور في بلدنا إشكالية،
وأن هذه الإشكالية ربما ينتج عنها في المستقبل جيل من الشباب لا يجهل تراثه الثقافي فقط، بل ربما سيزدريه، لأن قياداته التعليمية لم تحترمه ولم تعلي من شأنه.
وسؤال آخر، لماذا نحن كعرب وكمسلمين لم نثمن المفكرين الغربيين الذين قدروا واحترموا تراثنا، من أمثال آنماري شيمل وغيرها، بنفس القدر الذي ثمنا أو مازلنا نثمن به أولئك الذين تعاملوا معنا وفق رؤيتهم الخاصة واحتقروا تراثنا إلى الدرجة التي لم يجدوا أية أهمية لدراسته؟
والدليل على ذلك أننا نأتي بمن يجهل هذا التراث ونسلمه زمام العبث فيه.ترى كيف ينام أولئك العرب الذين يصغرون من حجم أنفسهم أمام الآخرين ثم يحاولوا نفخها في خطاباتهم الجوفاء؟ حقيقة لا أعرف.
٭ جامعة الإمارات