قد لا تكون الجغرافيا وحدها التي فصلت بين شمال القارة الأميركية وبين جنوبها. ولا هو الفرق التقليدي بين الشمال، أي شمال، وبين الجنوب، أي جنوب. وما شهدته القمة الأميركية من مظاهرات ضد الرئيس الأميركي »الشمالي« أعادت التاريخ الى جذوره رغم مرور أكثر من مئتي سنة.

هؤلاء العشرة آلاف متظاهر الذين خرجوا يرددون »بوش.. انت الإرهابي« لم يكن دافعهم فقط المشروع الأميركي لاقامة سوق واسعة مشتركة في الأميركتين في اطار منطقة التبادل الحر التي اقترحتها واشنطن العام 1994 بل حركهم تراكم العلاقات غير المتكافئة بين أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية.

انه الفرق بين السكان الأصليين وبين المقبلين الذين كانوا جدداً قبل ان يقتلوا الهنود الحمر ويقتلعوا تاريخ الشعب والأرض الممتد الى مئات السنين.لقد اعترف بوش انه ليس من السهل استقباله وذلك رداً على المظاهرات المعادية له، لكنه لم يقل لماذا ولم يفسر ما ليس بحاجة الى تفسير.

فالمتظاهرون العشرة آلاف اصبحوا أربعين الفاً تجمعوا في ستاد مدينة مارديل بلاتا حيث عقدت القمة، وبحضور نجم كرة القدم دييغو مارادونا واصلوا هتافات معادية تطالب بطرد بوش.

اما الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز فقد ألقى خطاباً استغرق ساعتين ونصف الساعة هدد فيه بوش والولايات المتحدة بحرب المئة عام ان اجتاحت القوات الأميركية بلاده.

في هذه الأثناء كان سكان بلدة سان خوان دي لاس غالدوناس الساحلية التي تبعد 450 كلم شرق العاصمة الفنزويلية كاراكاس يجرون تدريبات على مواجهة »المحتل الأميركي« واطلقوا على هذه التدريبات اسم »جيش بوليفا - محرر اميركا اللاتينية«.

فنزويلا ليست دولة محاربة ولم تخض اي نزاع مسلح مع دولة أخرى منذ حرب استقلالها عن إسبانيا العام 1882 لكنها ترفع لافتة (لا) للسياسة الأميركية الحالية.

وهذه الـ (لا) اصبحت تكلف الدول كثيرا في ظل غرور القوة الأميركية، فمن يرسل جيوشه لتقتل في افغانستان والعراق »لارساء الحرية والديمقراطية!« ليس مستبعداً ان يرسلها الى فنزويلا القريبة لفرض قوانين اقتصادية ومعاهدات تجارية تخدم بالدرجة الأولى المصالح الأميركية.

والادارة الأميركية تخطئ مرتين: واحدة بكتابة التاريخ بجنازير الدبابات وحفر القنابل، والثانية بنبش رماد التاريخ الذي كان يفترض ان تذريه في بحور التسامح ورفاهية الانسان في هذا العالم.

كتب الروائي البرازيلي الكبير جورج امادو في أوراقه: عندما رأيت تمثال الحرية الأميركية لأول مرة، تذكرت فوراً اكليل الشوك الذي وضعه الرومان على رأس السيد المسيح.

وفيما بعد قال لي »اندريه مالرو« انه لولا ان هذا التمثال قد صنع في فرنسا لكرسه الأميركيون قديساً على العالم.

للولايات المتحدة تاريخ طاووسي مع نيكاراغوا وغواتيمالا والمكسيك والبرازيل وهاييتي وتشيلي ولا يزال كذلك مع كوبا. لقد دعمت أنظمة دكتاتورية من أجل حفنة من الكاكاو وشدت الحبل حول أعناق شعوب من أجل كميات من المطاط.

لم تكن اميركا اللاتينية يوماً تريد ان تكون قطعة شطرنج مسلوبة الارادة لكن التقدم في وسائل الاتصال الذي قرب المسافة بينها وبين أميركا الشمالية قد باعد الهوة الحضارية بينهما. وشأن أميركا اللاتينية شأن معظم دول العالم مع بلد الحرية وتمثال الحرية. فالأميركيون الشماليون يريدون للعالم كله ان يكون أميركياً شمالياً.

لكن كما قال الشاعر المكسيكي اوكتا فيوبات فان الانهيار الأميركي غير مستبعد فالتاريخ لا يمكنه الاحتمال الى ما لا نهاية هذا الالتحام الكبير بين الموت والموت.. فالولايات المتحدة مقبلة على أزمة حضارية ونتائج هذه الأزمة لن تكون نتائجها على الولايات المتحدة وحدها، بل على العالم اجمع. انهم يدفعون الجميع الى الهاوية.

يوهمون الكل بأنهم يريدون تحويل الفضاء الى حدائق عامة ولكنهم في الحقيقة يريدون تحويله الى حرائق عامة.. انه عصر التماسيح الكبيرة التي تكتب تاريخ البشرية!

rdawod50@yahoo.com