لم يعد الوصول إلى المعلومة، أيًّا كان نوعها، مستحيلاً، ولا حتى صعبًا في عصر الثورة المعلوماتية؛ فالشبكة العنكبوتية تحمل إلينا كل يوم كمًّا هائلاً من المعلومات يفوق تصوراتنا، ويتجاوز حدودها.
ولا يمكن لباحث عن أية معلومة، مهما كانت جزئية، في أي فرع من فروع المعرفة، وفي أي تخصص من تخصصاتها، أن يبوء بالفشل، أو أن يعود خالي الوفاض، فلا بد من وجود شيء عن أي شيء وكل شيء.
ومع ما لهذه الحقيقة الواقعة من إيجابيات أهمها توفر المعلومات بسهولة وسرعة أكثر مما كان عليه الحال قبل الثورة المعلوماتية، إلا أن لها سلبيات لا بد أن تُذكر عند ذكر الإيجابيات، كصعوبة توثيق كل ما هو موجود على الشبكة.
وإمكانية دخول المتطفلين إلى التخصصات المختلفة من أبواب مختلفة، كادّعاء الموسوعية، أو السعي نحو الشهرة أو غير ذلك، دون حسيب ولا رقيب.
ومثل هذه السلبيات وغيرها تستدعي التعجيل بإنشاء قاعدة بيانات عربية موثوقة، تستوعب جميع التخصصات، وتتناول جميع المواد المعرفية المرتبطة بإرثنا من الحضارة العربية والإسلامية، ومكتَسَبنا من الحضارة الغربية المعاصرة، في ظل عمليات المثاقفة والترجمة والتعريب.
وقاعدة البيانات هي الخزانة التي تضم جميع المعلومات الخاصة بشركة أو مؤسسة أو أي تجمع بشري، وهي أشبه بمستودع ضخم يمكن العودة فيه إلى ما تقادم عليه الزمن بسهولة ويسر، دون بذل جهد أو عناء يُذكر ما عدا بضع نقرات على الفأرة أو على لوحة المفاتيح.
ولعلنا لا نعدم وجود عدد من قواعد البيانات العربية في مختلف التخصصات، ورغم ما على معظمها من مآخذ كثيرة إلا أننا يجب أن نشكر جهود مؤسسيها والقائمين عليها، لأنهم قاموا بوضعها وتأسيسها.
فأن نملك قواعد بيانات محدودة الإمكانيات خير من ألا نملك شيئًا، فتتناثر معارفنا وعلومنا ويصعب على الأجيال اللاحقة لملمة شتاتها ومعرفة غثّها من سمينها، ونصبح في حاضرنا ومستقبلنا عالة على غيرنا من الشعوب والحضارات.
ولكنّ أيًّا من هذه القواعد لا ترقى إلى المستوى الذي يمكن اعتماده رسميًا في أي مؤسسة عربية أو عالمية، كاليونسكو واليونيسيف وغيرهما، لضحالة المادة المقدمة فيها.
وعدم شموليتها، وعدم تحيينها بصورة دورية، ولصعوبة الوصول إلى المعلومة في أغلبها. كما أن هذه المطالبة تتجه نحو إنشاء قاعدة بيانات عربية »موسوعية«، تمثل وجه الحضارة العربية وواجهتها أمام الآخر.
وهذا المطلب غير متحقق حتى الوقت الحاضر، لذلك تلجأ الجهات الرسمية العربية والعالمية إلى قواعد البيانات المعدّة باللغات الأجنبية، حتى عند البحث عن معلومات تخص العرب، شعوبًا أو دولاً أو حضارة، لأنها في تلك القواعد أوفر، وأشمل، وأحدث، وأسهل في عملية الوصول إليها.
ولكي تصبح لدينا قاعدة بيانات عربية »موسوعية« يجب تضافر جهود جهات كثيرة، رسمية وغير رسمية، مؤسسات وأفراد، ليسهم الجميع في إنشاء هذه القاعدة من خلال أسلوب عمل يجمع بين التكليف والتطوع، إذ يجب تشكيل لجنة موسعة تشمل متخصصين في فروع العلوم والمعارف المختلفة من جميع أنحاء الوطن العربي، وتكليفها بوضع الهيكل الأساسي لهذه القاعدة.
وتكليف عدد من المبرمجين الماهرين بإعداد الموقع الإلكتروني الخاص بها، ثم استقطاب المتطوعين من خلال الإعلان على الشبكة عن الحاجة إلى متطوعين لإعداد قاعدة بيانات عربية »موسوعية.
يضيف فيها كل متطوع لبنة معرفية إلى هذا البناء الذي وضعت اللجنة التخصصية حجر أساسه، وتخضع الإضافة لرقابة اللجنة المتخصصة، التي تتولى مراجعة المعلومات للتأكد من صحة ما يُضاف، وتصحيح الأخطاء المحتملة.
ويمكن في خطوة أولية الاستعانة بنوع من البرامج، يُطلق عليه اسم برنامج (ويكي)، يعرف بأنه نوع من أنظمة إدارة المواقع، يسمح للزوار بإضافة المحتويات وتعديلها دون أي قيود في الغالب.
ويفتح مثل هذا النوع من المواقع الباب على مصراعيه أمام العمل الجماعي والتطوعي، بحيث يضيف كل فرد ما يتيسّر له من معلومات، ليفيد بها غيره من خلال منبر موحّد يؤمّه الجميع للأخذ والإضافة.
ويمكن اعتبار موسوعة (ويكيبيديا- Wikipedia) الحرّة، في نسختها العربية، نموذجًا لنواة قاعدة بيانات عربية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن مؤسس هذه الموسوعة المتعددة اللغات أميركي يُدعى (جيمي ويلز)، وقد وضعها بالإنجليزية ثم وسعّها لتشمل عددًا كبيرًا من اللغات.
واللافت للنظر هو أن معدل إضافة المدخلات باللغة العربية لا يتجاوز 250 إدخالاً في الشهر، في مقابل ما يزيد على 12300 إدخال شهريًا باللغة الإنجليزية. ولعلّ المقارنة بين هذين الرقمين تدل بوضوح على مدى فعاليتنا في خدمة ثقافتنا مقارنة بغيرنا.
إن مثل هذه الموسوعة تقوم على العمل التطوعي، وهي موجودة على الشبكة مجانًا ولا يضطر المشارك فيها إلى التسجيل للمشاركة أو التعديل على ما هو موجود أساسًا.
وهي تفتح مصراعيْها لأي إضافة بغضّ النظر عن حجمها، لأنها لا تزال في مرحلة بناء المحتويات، وأي تعديل أو إضافة مهما كانت بسيطة تعدّ ذات فائدة كبيرة للموسوعة العربية.
ليس هذا ترويجًا للويكيبيديا ولكنها دعوة لامتلاك قاعدة بيانات عربية موسوعية خالصة، من الممكن أن نستعين في سبيل تحقيقها بما هو قائم وموجود، حتى نمتلك القدرة على تقديم قاعدة بيانات، نشعر بعد الانتهاء من إعدادها أننا نقف على قمة هرم معرفي شاهق، ساهم كل منا في بنائه،.
وفي وضع لبنة من لبناته، أو تعديلها، أو الإضافة إليها، ليصبح قبلة الباحثين عن علومنا ومعارفنا وحضارتنا، ومصدرًا موثوقًا عن ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.
ولكنّ ذلك لن يتحقق إلا إذا آمنّا أولاً بجدوى امتلاك قاعدة بيانات عربية موسوعية، تضع أمام الأجيال اللاحقة كنوز الحضارة العربية منذ أقدم عصورها حتى يومنا هذا، وإذا أدركنا ثانيًا فعالية العمل التطوعي الجماعي والإيجابيات المترتبة عليه، ووحدّنا جهودنا الموزعة والمتناثرة من المحيط إلى الخليج في فضاءات الفردية والإقليمية.
كما يمكن اعتبار هذه السطور دعوة لانطلاق هذا الحلم من على أرض دولتنا، لأنها دائمًا سبّاقة إلى كل ما من شأنه إعلاء الثقافة العربية والتعريف بها والمحافظة عليها، ولأنها رائدة في مجال تقنيات المعلومات والإلكترونيات والثورة المعلوماتية.
كما أنها تمتلك الإمكانيات المادية والبشرية والتقنية لاحتضان مشروع ضخم مثل هذا المشروع، مع الاستعانة بالمتخصصين من شتى أنحاء العالم العربي، ليكون المشروع عربيًا خالصًا وشاملاً.
sunono@yahoo.com