من الكلاسيكيات النظرية في مجال الإعلام المعاصر تلك المقولة الشهيرة التي سبق وأن أطلقها البروفيسور » مارشال ماكلوهان » في عبارته المأثورة »الوسيلة هي الرسالة«.

وقد تحقق آخر تصديق لهذه المقولة النظرية حين أصدرت مجلة » الشؤون الخارجية » فورين افيرز أحدث اعدادها (سبتمبر ــ أكتوبر 2005) ليعبر بمجرد صدوره وشكل إخراجه وطباعته عن رسالة يود المحلل السياسي الأميركي أن ينقلها إلى قارئه والعالم.

»فورين أفيرز« مطبوعة رصينة أو أنها تتوخى أن تكون كذلك وتحرص عليه، ولهذا اختارت اللون الرمادي الهادئ غلافا لكل اعدادها، فيما اختارت حجم وشكل الكتاب مما يضفي على كل عدد يصدر إيقاع الهيبة ومظهر الاحترام، دع عنك أن تستخدم المجلة الأميركية في هذا كله حروفا سوداء وبنطا ــ حجما تنشره بانضباط موضوعي بشأن كل موضوع.

لكن »فورين أفيرز« ما لبثت أن تخلت عن رصانتها التقليدية فاستخدمت اللون الأحمر، في تقديم ملف العدد أو محوره إلى قارئها، وفضلا عن أنه لون غير اعتيادي بالنسبة لها، فهو بداهة لون النذير واسترعاء الاهتمام وإبلاغ »الآخر«، بأن ثمة أموراً، أحداثاً، استثنائية دفعت المطبوعة الرصينة الهادئة إلى هذا السلوك غير المسبوق.

كلمة واحدة.. حمراء

وربما يكون القوم قد قرروا أن يضفوا على مجلتهم لمسة تغيير في التوضيب والإخراج لكن لا يمكن أن تفوت المرء ملاحظة أن ثمة كلمة واحدة، تتصدر على غير العادة ــ غلاف المجلة وقد جمعت بين الحرف الكبير وبين اللون الأحمر المثير .

والكلمة هي: الصين، وهنا تكمن الرسالة التي نتصور أن المطلوب إبلاغها لكل من يهمه الأمر سواء على صعيد أميركا أو على مستوى العالم.

والمعنى أن »الصين« باتت تشكل محور الاهتمام وبؤرة التركيز في أميركا: يصدق ذلك على القارئ المثقف والمحلل السياسي وصانع القرار على السواء، وهو ما يعبر عنه مقالان منشوران في العدد المذكور.

وأولهما يدعو فيه كاتبه البروفيسور كيشور محبوباني عميد كلية العلوم السياسية في سنغافورة إلى فهم الصين وبالذات فهم طموحاتها والمنطلقات التي تصدر عنها من حيث نظرتها إلى العالم والعصر .

ومن ثم دعم ما يصفه المفكر الآسيوي بأنه »التطور التدريجي للنظم السياسية والاقتصادية في الصين«، أما المقال البحثي فيؤكد أن الصين باتت تتحرك على الطريق لكي تصبح قوة عالمية عظمى، ويدعو فيه كاتبه وهو المفكر الصيني »زنغ بيغيان«، إلى التعامل مع بكين في ضوء الحقائق الموضوعية وليس من خلال الدعايات أو الشائعات.

ولما كان الكاتب يترأس منتدى الإصلاح في بكين نفسها وقد تولى صياغة الأدبيات الرئيسية الصادرة عن حزبها الحاكم، فإن الرجل يحرص على تهدئة الخواطر إزاء سعي الصين إلى تلك المكانة.

حيث تشارك من موقع ندية الدولة العظمى في الإمساك بمقاليد العالم وفي إدارة شؤونه أو ما يسميه بيغيان بأنه »الصعود السلمي للصين إلى مكانة الدولة العظمى«.

لا يتسع المجال لتحليل تفصيلي لمحتويات الدراسات التي نشرتها »فورين افيرز« تحت لفظة »الصين« المطبوعة بحروفها الحمراء الجاذبة للاهتمام العالمي وللهم الأميركي على السواء، لكن المتابعة السياسية للأدبيات الأميركية الراهنة تفضي إلى تقصي هذا الهم الذي بات يساور صانع القرار وراسم السياسات في الولايات المتحدة.

لأن الصين خلال هذا الصعود الهادئ، المسالم، وقد نضيف والمراوغ أيضا، إنما تلعب أوراقها بكل هدوء وثقه وعلى أساس من رقة الشمائل المعروفة عن أهل الشرق الأقصى في آسيا بغير دعاية أو بهرجة أو ضجيج.

الصين تكتشف القوى الناعمة

ونظن أن الأميركيين قد بدأوا يحسبون حسابات جديدة وغير تقليدية إزاء ما آلت إليه تطورات هذا الشأن الصيني وربما كانت واشنطون راضية أو قانعة بحكم الأمر الواقع بالنسبة لتطورات بل قفزات الصين في مجال الصناعة والإنتاج السلعي ومن ثم تحقيق معدلات مرموقة ــ غير مسبوقة أحياناً ــ من التنمية وزيادة الناتج القومي الإجمالي.

لكن الصين ما لبثت أن اكتشفت أن عالم الألفية الثالثة لا يكفي فيه فقط نجاح الصناعة ولا زيادة حجم الناتج السلعي ولا الصعود بأرقام الصادر من الآلات أو المنسوجات وسائر المصنوعات، اكتشفت الصين بأنه ليس بالتصنيع السلعي وحده يحيا الإنسان، تلك هي القوى الخشنة، الصلبة. المادية.

ولكن يوازيها، وأحيانا يفوقها، ما أصبح يطلق عليه وصف »القوى اللينة أو الناعمة«، وهو ــ بالمناسبة ــ وصف أميركي أيضا يلفت فيه صاحبه ــ البروفيسور جوزيف ناي من جامعة هارفارد ــ النظر إلى أن التقدم ومكانة الدول لا يمكن أن يقتصرا على القدرات العسكرية أو الاقتصادية أو الصناعة .

والإنتاج المادي (القوى الخشنة) بل لابد وأن يتعدى إلى حيث القوى غير المادية (الناعمة) التي تضم الثقافة والإبداع الفني والتحصيل الفكري والنبوغ الأكاديمي وما إلى ذلك بسبيل.

ويمكن القول بأن الصين صدقت بهذا الفكر واكتشفت أن الصعود إلى المكانة الأعلى في بانثيون الدول والقوى العظمى يتطلب النبوغ في المجالات اللامادية فما بالك إذا ما كان هذا الصعود المرتجى سلمياً وهادئاً ومتدرجاً.

كما تشير »فورين أفيرز«، وما بالك إذا ما دخلت الصين عصر استخدام الإنترنت والهاتف النقال والرسائل الإلكترونية وإمكانات الحواسيب والاتصالات الساتلية بالأقمار الاصطناعية على نحو ما يقول بينز هايز الأستاذ بجامعة كولورادو (في مقال منشور أيضا في مجلة كرنت هستوري).

وما بالك أيضا حين تتهيأ الصين حاليا لاقتحام صناعة السينما كي تنافس هوليود بقدر ما نجحت في دخول مضمار الإبداع السيمفوني في مجال الموسيقى على نحو ما أكدت »نيويورك تايمز«.

وبقدر ما بدأت تستعد بجديتها المعروفة لخوض مجال جديد ومثير أيضا هو مجال الألعاب الرياضية، وفي هذا تكتب مجلة السياسة الخارجية الأميركية » فورين بوليسي » عدد سبتمبر ــ أكتوبر 2005) قائلة:

أصبحت الصين قادرة على أن تهز دعائم الاسواق العالمية وأن تحرك بشدة الساحات السياسية ولكن ثمة مجال جديد تستعد الصين لكي تغزوه، وهو حلبة الرياضة البدنية في جميع أنحاء العالم.

كاتب مصري