خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من مسيرة ياسر عرفات القيادية الممتدة لحركة التحرر الفلسطيني، قلب التحالف الإسرائيلي الأميركي كل حجر لأجل إلحاق الأذى بصورته على كل الصعد وفي اتجاهات الدنيا الأربعة.

استخدم هذا التحالف أدواته الجبارة من إعلام الإثارة والأزمات الى دبلوماسية التسميم السياسي مرورا بالضغوط متعددة المصادر والقدرات، لرمي الرجل بكل النقائص الشخصية والسياسية.

لفض أبناء شعبه من حوله، قيل إن عرفات متسلط وسلطوي وديكتاتور، مسرف ماليا ومحب لجمع السلطات سياسيا، منافق كذاب، متعصب تنظيميا ومشوش إيديولوجيا لا يقر على توجه ولا يؤمن جانبه من خصوم أو أنصار.. وهو على الجملة لا يصلح لقيادة شعبه كما أن هذا الشعب يستحق زعيما غيره.

وفي سبيل نبذه إقليميا ودوليا، وصف عرفات بالمناور اللعوب والمراوغ الذي يقول الشيء ويفعل ضده، فهو يدين »الإرهاب« نهارا جهارا ويموله ويدعمه ليلا في الخفاء.

ولهذا فإنه العقبة الكبرى أمام عملية التسوية أو السلام، ولن تكون له بهذه العملية صلة كما لا يمكن أن تقبل شراكته، ولابد من إزاحته إذا ما أريد لهذه العملية أن تستأنف وتؤتي للشعب الفلسطيني حقوقه.

بين يدي هذه الحملة المسعورة، تجاهل أصحابها كيف أن عرفات كان زعيما منتخبا فلسطينيا علاوة على شرعيته الثورية وحضوره الكاريزمي، وأن ألد منافسيه وخصومه ومنتقديه كانوا يختلفون معه لكنهم لم يختلفوا عليه.

وفي الوقت ذاته راهن هؤلاء على ضعف ذاكرة الرأي العام إقليميا ودوليا، فألقوا خلف ظهورهم حصاد المرحلة التي روجوا فيها لصورة عرفات رجل القرارات الصعبة في أوسلو، والزعيم الذي شاركوه نهج التسوية السلمية وحصلوا من التفاوض معه على ما لا يستطيع عرضه وتقديمه أو يجرؤ على قبوله قائد فلسطيني آخر.

كان التصور خلف هذا كله، أن عرفات بلغ آخر مداه في احتمال التجاوب مع إملاءاتهم، وأنه لن يتزحزح عما ساوم بشأنه وقبله ورفضه في كامب ديفيد الثانية (يوليه 2000).

وعليه، يتعين قلب ظهر المجن له وإخراجه من كل الساحات ذات العلاقة بالمسار الفلسطيني وتغليق أبواب العواصم من دونه وصولا الى حصاره وسط أنقاض مقره في رام الله.. وهذا ما حدث حتى ربع الساعة الأخيرة قبل احتضاره ثم وفاته.

حسنا، هانحن اليوم على مسافة عام بالتمام من غياب عرفات، فكيف يبدو المشهد الفلسطيني بكل أبعاده؟

ما هو حال عملية التسوية التي علق التحالف الصهيوني الإسرائيلي الأميركي وبعض أشياعه عثراتها وانحرافاتها بذمة عرفات، سياساته ومواقفه وتصرفاته؟ وما الذي تغير من اتجاهات وسياسات وسلوكيات هذا التحالف إزاء هذه العملية؟

الى أي حد اقترب الفلسطينيون من هدف الاستقلال والدولة، أم تراهم أمسوا أكثر بعدا منه؟ هل انتقلت التسوية الفلسطينية الى أولويات الأجندة الأممية بعدما زالت »عقبة عرفات الكؤود«؟!.

لقد أجرى الفلسطينيون انتخابات رئاسية وأخرى بلدية هادئة. وقطعوا شوطا على طريق إصلاح ذات شؤونهم المالية. ووحدوا أجهزتهم الأمنية. وعمدوا إلى تغييرات إدارية يظن كثيرون أنها استهدفت إحالة رجال زمن الثورة والكفاح المسلح للتقاعد.

وعن طريق حوارات داخل الفصائل وفيما بينها، برعاية إقليمية عربية مصرية أساسا، صارت حماس أميل إلى الدخول في صلب النظام الفلسطيني بشقيه منظمة التحرير والسلطة الوطنية. ونشأ توافق عز نظيره بين كل ألوان الطيف السياسي على التهدئة المسلحة مع إسرائيل.

كذلك استقبل هؤلاء دبلوماسية الرئيس الوريث بالانتخاب العام محمود عباس بقبول حسن، وتجلى ذلك عمليا بالتحاور معه والمضي لمنحه ومنهجه التفاوضي فرصة واسعة.

تم هذا كله تحت سمع وبصر الضالعين في جهات الدنيا في عملية السلام، الذين شهدوا جميعا تقريبا، دون استثناء واشنطن وبعض خصوم عرفات سابقا، بجدية الفلسطينيين في الإصلاح الديمقراطي وترشيد الأداء السياسي بعامة، فماذا كان رد الفعل الإسرائيلي؟..

لم تحاول إسرائيل التلاقي مع خلفاء عرفات لا في منتصف الطريق ولا في أوله أو آخره. فهي لم تقتنع بكل خطواتهم ولا عبرت مليا عن الرضاء عنهم طالما أنهم لم يقيموا حربا حقيقية دموية ضد قوى المقاومة.

لم يتوقف أرييل شارون ورهطه في الحكم عن الضغط بالقول والفعل على أبومازن، كي يتخلى عن آليات الحوار مع هذه القوى ويمضي الى امتشاق السلاح في وجوههم، محاولا استئصالهم عضويا لا ضبط سياساتهم وأسلحتهم بالتي هي أحسن!.

الشاهد أننا أينما ولينا وجوهنا شطر سياسات إسرائيل الفلسطينية وجدناها على عهدها وزيادة إبان سنوات الغضب على عرفات. يشي بذلك استمرار بناء جدار الفصل الاستيطاني في جوف الضفة .

وديمومة سياسات الاستيطان المكثف وإكمال ابتلاع القدس وتهويدها والقتل المستهدف ضد كوادر المقاومة والتوغل في المدن والقرى والنجوع الفلسطينية والاعتقال بالجملة والقطاعي..

بعد عرفات، لم ينجح أي لقاء بين شارون وعباس في إشاعة أجواء تفاؤلية باستئناف ما انقطع من عملية التسوية، لا على مرجعية خريطة الطريق أو أية مرجعية أخرى.

ولا يقدح في هذا الفهم تطبيق خطوة شارون الأحادية لإخلاء قطاع غزة. إذ لم يحد شارون وهو يشرع في هذا التطبيق عن منهجيته في عدم إشراك السلطة الفلسطينية، تماما وكأن شيئا لم يتغير في رام الله!.

لو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يضمر خيرا لخلفاء عرفات لفاوضهم على خطوته ومنحهم فرصة الزعم بأنهم استخلصوا لشعبهم ما لم يتمكن أسلافهم من تحصيله. ولو أن قيام التسوية الفلسطينية وقعودها تعلق بعهد عرفات وخطاياه للاحظنا تحولات فارقة في سياسات إسرائيل ومحازبيها تجاه الحقوق الفلسطينية!.

عرفات والحال كذلك برئ من دم هذه التسوية. كان ذلك صحيحا في حياته وسيبقى صحيحا مع خلفائه بعد مماته.. فسيرورة الخط البياني للتسوية، صعودا أو هبوطا أو رتابة مملة، مرتبطة بمحددات وشروط أبعد شأنا وأقوى موضوعيا من زعيم يروح وعن آخر يصعد الى قيادة النظام الفلسطيني.

كاتب وأكاديمي فلسطيني