كنت قد سئلت في احدى اللقاءات عن الدور الذي سيلعبه الاخ السيد عمرو موسى في العراق قبل زيارته إليه، فأجبت: بأن تحركّه قد تأخّر عن موعده كثيراً. وقد تفاقمت مشكلات العراق بالشكل الذي لا يمكن ان يحلّها اي مؤتمر مصالحة، إذ يصر العراقيون على موقفهم الذي لا ينسونه من الجامعة العربية أبداً.
لقد تباينت الآراء بين القوى السياسية العراقية حول جدوى زيارة الأمين العام، ومبادرته بعقد مؤتمر للمصالحة الوطنية. حيث توقع البعض أن تثمر عن نتائج إيجابية ومثمرة، فيما رأى البعض الآخر أنها لن تستطيع أن تفعل شيئاً، وليس باستطاعتها تقديم حلول ناجعة.
وكتب في الصحافة العراقية إن للجامعة العربية مشكلة مع الملف العراقي كونها جاءت متاخرة، وسجلت غياباً واضحاً في الفترة الماضية في الشارع العراقي. وهذا الموقف يشمل الدول المؤثرة في الجامعة العربية، والتي لا تدعم العراق، أو تقف موقف اللامبالاة منه.
ضياع أهم فرصة
قبيل اندلاع الحرب، نادى الزعيم الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـــ رحمه الله ـــ بندائه التاريخي الشهير من اجل انقاذ العراق واهل العراق ومصير العراق من هذه الدوامة الدموية الرهيبة.
لقد كان الرجل ثاقب الرؤية بعيد النظر.. وكان موقفا اخلاقيا وتاريخيا لا يمكن ان ينساه الزمن أبداً، ولكن هيهات، فلقد سعت الجامعة على غير هدى، وتوضّح لنا أخيراً وبشكل موثوق.
بأن تلك المبادرة التاريخية لإنقاذ العراق قد حظيت في الأربع والعشرين ساعة الاخيرة بموافقة الاطراف الدولية المعنية فضلا عن موافقة صاحب القضية الرئيس السابق صدام حسين..
ولكن ما حدث في مؤتمر شرم الشيخ قد ضّيع محاولة انقاذ العراق وخصوصا ذاك الذي مارسته جامعة الدول العربية، وقد كتبنا في النهار البيروتية، منتقدين دورها منذ قبيل الحرب وما بعدها!! وتأتي اليوم محاولة الأخ عمرو موسى بعد طغيان الخراب من أجل إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه، ومتى؟
تأتي في وقت يعيش العراق مخاضاً صعباً جداً. ان محاولته ـــ مع احترامي لجهوده ــــ مجّردة من أية واقعية سياسية، ربما تشبع العواطف القومية، ولكنها لن تغّير من الواقع العراقي شيئا كون الجامعة ليس لها أي تأثير في الشارع العراقي، علماً بأن المحيط العربي هو ـــ فعلاً ــــ شبكة أمان عربية حقيقية للعراق.
ولكن هل تدرك تلك »الشبكة« ما مكونات العراق وما اوضاع العراقيين اليوم وهم يناضلون نضالا حقيقيا في خضم مأساة التمزّق والارهاب وتدخّل القوى الخارجية.
مشروع »مصالحة« أم » مبادئ«؟
إن العراقيين ليسوا بحاجة إلى مشروع »مصالحة« بقدر ما يحتاجون إلى اجماع »مبادئ« وإلى الأمن والاستقرار وإيقاف نزيف الدم العراقي، فضلاً عن تداخل الأسباب وافتراق الأهداف. إنني أستبعد حدوث حرب أهلية داخل العراق لأن العراقيين نسيج اجتماعي واحد وتربوا على مبادئ وطنية موحّدة وان الانقساميين أقل بكثير من الوطنيين.
ان مؤتمر »المصالحة« مع أقطاب النظام القديم يرفضها المسؤولون العراقيون كونهم فسّروها ثمنا لإيقاف سفك الدم العراقي! وسواء كانوا على خطأ أم صواب، فإن أي مشروع تقدّمه جامعة الدول العربية سيصيبه الفشل فالوضع العراقي قد أصابه من التعقيدات والتشرذمات والانقسامات .
وبدأت تترسّخ فيه المحاصصات والتخندقات، بل وتبلورت الاصطفافات على أسس طائفية وعرقية ومذهبية وجهوية وقبلية، وهذا هو الوباء الحقيقي الذي أنتجته فراغات هائلة باختفاء سياسات بليدة وقاسية وتوتاليتارية اتبعها النظام القديم لاربعين سنة .
واستبدلت فجأة بسياسات جديدة غابت الوطنية عنها غيابا نتيجة جهالة أو خوف أو ضياع أو تخندقات! لقد قال السيد عمرو موسى بأن الزيارة كان يجب ان تسبقها خطوات أوجزها في فتح مكاتب لها في العراق.
وإرسال سفراء لها، لدعم العملية السياسية في العراق. وإنني أعتقد أن مشروع الرجل في العراق سيفشل، لأن التجارب علمتنا أن مؤسسته لم تنجح في أي خطوة خطتها في أي بلد عربي ليس له مشكلات من نوع ما، فكيف بمشكلات عضوية كالتي يعيشها العراق اليوم.
وهل باستطاعتها أن تحّل معضلة العراق بكل مداخلاتها المباشرة وغير المباشرة، علماً بأن هناك جملة كبيرة من العراقيين والعرب يؤملون خيراً على مهمة عمرو موسى وجامعته نظراً ـــ كما يقولون ـــ لتوفر أسباب النجاح المتمثلة بملاءمة الأجواء العراقية.
وكذلك الترحيب الكبير الذي لاقته زيارة موسى سواء من أغلب الأطراف السياسية العراقية رغم التحفظات التي لديها إلا أنها تسعى لتحقيق الامن والاستقرار. وان فرص النجاح ستتوقف على نجاح المؤتمر التحضيري الذي سيعقد في منتصف شهر نوفمبر الجاري في العاصمة المصرية القاهرة.
وأخيراً: ما العمل؟
إن أي مؤتمر باسم »المصالحة« سيوفق بين بعض السياسيين العراقيين القدماء والجدد، وليس بين القوى الاجتماعية العراقية، وان هذا وذاك لن يغّير من واقع مأساة الشعب. ان هذا »المؤتمر« لن ينقذ العراق الذي غدا جّرة مليئة بالعسل وقد انكسرت فاجتمعت عليها كل الحشرات من كل الأطراف.
السؤال: هل سيتهيأ العراق لعصر جديد؟ هذا ما كنا نأمله في ظل الحاجة العراقية إلى فترة نقاهة واستراحة محارب. إن إرجاع العراق إلى حالته الطبيعية لا يمكن أن يحلها مؤتمر للمصالحة في ظل بقاء الاحقاد والكراهية والثارات.
وفي ظل اختفاء التفاوض مع الاحتلال على اجندة مستقبلية. ان الحاجة باتت ماسة إلى أن يجتمع كل العراقيين على مبادئ وطنية وليس إلى بيان وتوصيات مؤتمر ليس فيه إلا الخطب والشعارات من دون الرهان على الخصوصية العراقية واحترام الإرادة الوطنية بمنتهى الإيجابية والشفافية والرؤية المصيرية.
مؤرخ عراقي