تزدحم الثقافة العربية بالانتكاسات والارتكاسات الوجدانية والروحيةالتي لا تعد ولا تحصى، وهي مستمرة في تلابيب الشخصية العربية منذ أن نشأت مقولة »البكاء على الأطلال« ويبزغ فجر »قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل« إلى ديك الجن الحمصي.

حيث أخبرنا الرواة أنه قتل زوجته لاعتقاده بأنها كانت تخونه مع غيره، وبعد أن اكتشف أنها كانت شريفة وعفيفة وسيدة فاضلة فَقَدَ صوابه وتاه في الدنيا هائماً على وجهه يبكيها ويندبها.

ويمارس كل وسائل الندم والتوبة لكي يغسل روحه من عار الفعلة الشنعاء التي ارتكبها، وقد وقف العرب على الأطلال في الأندلس بعد أن أضاعوها بخلافاتهم التافهة وفي فلسطين بعد أن تركوها مسبية.

ومؤخراً في العراق حيث كانت تهمة الديكتاتورية أبشع من مرض الطاعون كفيل بالابتعاد والتنكر للقريب والبعيد وطبعاً لا أحد يعلم ما ينتظر ديار العرب في مقبل الأيام من بلدان عزيزة مرشحة للسقوط والتحول إلى أطلال، وبالتأكيد فالبكاء لن يفيد ولن يسترد لهم مجداً انهار في غفلة من الزمن.

اليوم يواجه العرب التحدي نفسه وبالتأكيد سيواجهونه مثنى وثلاث ورباع إذا لم يتم الاستفادة من الدرس العراقي، حيث نظمت القوى الدولية رغماً عن أنف شعوبها غزواً وحشياً للعراق بتهمة حيازته سلاحاً محظوراً.

ولكن هذه التهمة كانت كبيرة ومدوية على حد وصف كولن باول وزير الخارجية الأميركي السابق، ولكن يبقى السؤال هل تم تصحيح الوضع والعودة إلى ما كان عليه في العراق؟

بالطبع لا! وهو يحتاج حسب التقديرات إلى مئة عام على الأقل لكي يعود العراق إلى ما كان عليه هذا البلد الكبير قبل سقوطه في التاسع من أبريل عام 2003.

وهذا الواقع كان قد اختصر بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع الأميركي السابق هذه الكذبة بأنها عبارة عن »تكتيك فني«، وغداً وهذا ما لا نتمناه عندما تبدأ عملية العقاب لقتلة الشهيد الحريري ضد سوريا وضد شعبها وضد لبنان .

وضد شعبه من يضمن أن هذه العدوى ليست أكثر من تمرين على المشهد العراقي الذي تحول إلى بلد مقسم ومدمر وتسوده »الفوضى الخلاقة« حسب وصف السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية .

والطامة الكبرى عندما يكتشف العالم بأسره أن قتلة الحريري ليسوا سوريين ولا لبنانيين بل هم حفنة من الأشرار الذين أرادوا النيل من الشعبين والتآمر على استقرار هذين البلدين.

إذا كان العرب الأولون قد اخترعوا نظرية الوقوف على الأطلال وإذا كان ديك الجن الحمصي قد ابتكر نظرية جلد الذات، فإن العرب في القرن الواحد والعشرين إذا أمعنوا في نظرية الهروب إلى الأمام فإن السراب ينتظرهم.

والمجهول يقف لهم بالمرصاد، ولا غرو إذا جاهرنا في القول إنهم ينتظرون مصيراً يشبه مصير الهنود الحمر في مجاهل القارة الأميركية في أحسن الأحوال، فالبكاء سلاح الضعفاء.

ولا مكان للضعفاء في هذا الزمن المتوحش رغم ازدحام فضاءاته بحقوق الإنسان والمساواة والحرية والعدالة، ولكن في الواقع القوة هي القول الفصل في لعبة الأصم، لذلك يخشى أن يكون دم الشهيد الحريري قد دخل معادلة لعبة الأصم ولم يعد مهماً معرفة قتلته الأشرار.