وصلت النيران إلى باريس هذه المرة، وربما يشتعل التراب الفرنسي كله من جهاته الأربع، ما يؤكد أن العنف لن يبقي ولن يذر، وأن أحداً لن ينجو من التطرف بكل دوافعه وأسبابه، التطرف الذي قيل إن منبعه مدارس باكستان وأفغانستان الإسلامية، والتطرف الذي أرجع إلى الكبت وانعدام الحريات والحرمان الاقتصادي في بعض دولنا العربية، والتطرف الذي سببته بعض السياسة العربية الممعنة في دكتاتوريتها وقمعها وتنكيلها بالمعارضين والرافضين والباحثين عن حقوقهم الإنسانية.
فرنسا تشتعل اليوم أمام أنظار العالم، كما يشتعل العراق، وكما تلقي الولايات المتحدة بالحطب تباعاً في المحرقة التي تجهزها سراً وعلانية لسوريا وإيران ولبنان، لكن فرنسا تشتعل من داخلها، تشتعل بسبب تناقضاتها، تشتعل لأن جيلاً جديداً من أبناء المهاجرين العرب لم يعد يصدق دعاوى الحرية والإخاء والمساواة باعتبارها مبادئ ثورة 1789 في فرنسا، فهم لا يعيشون المساواة ولا الحرية ولا يشعرون بأي إخاء، كما تقول أفعالهم، فمن نصدق: فرنسا أم مشعليها؟
وزير الداخلية الفرنسي نيكولا سركوزي، أكثر الأشخاص تعرضاً للنقد ومحطاً للكراهية من قبل الشبان الذين يشعلون »ثورة المهمشين« المضطهدين في باريس، هذا الرجل قال منذ البداية واصفاً أفعال هؤلاء الشبان: »إنهم أوباش ومتوحشون« فهل هم كذلك فعلاً؟ ومن جعلهم أو حولهم إلى أوباش ومتوحشين، هل هي ديمقراطية فرنسا أم عنصريتها؟ أم أن الحرية والديمقراطية لا تحق إلا للفرنسيين فقط؟
يا ترى كم عدد المهمشين في عالمنا العربي، وعليه كم ثورة نحن بصدد انتظار اشتعالها في مدننا وعواصمنا؟ وهل يمكن أن تشتعل ثورات كتلك التي يشعلها أبناء المغاربة المهاجرين هناك إلى باريس وضواحيها؟ ما الذي يحدث هل هو تصفية حسابات بين الشبان وسياسيات فرنسية داخلية؟ أم هو التاريخ يصفي حساباته التي لا يمكنها أن تظل معلقة حتى النهاية؟
هل أخطأت فرنسا حين منحت الآباء حق الهجرة؟ أم أخطأت حين لم تهيئ للأبناء سبل العيش الفرنسي الحر أسوة بالفرنسيين الحقيقيين؟ هل تشعر فرنسا بأنها في مأزق الآن أمام قوانينها التي تجيز الهجرة والتجنيس؟ أم انه اليمين المتطرف في كثير من دول العالم عاد ليحكم ويتحكم على أساس عنصري بغيض يدفع العالم إلى أتون ثورات وحروب يدفع الفقراء والبؤساء ثمنها تماماً كما فعل اليمين المتطرف في الولايات المتحدة؟
sultan@dmi.gov.ae