يجسد الإسلام في صورته النقية رؤية للوجود تتفق والنضج الحادث للعقل البشرى في التاريخ إذ يقدم صورة متسامية للألوهية ضد النزعة إلى أنسنة الإله التي سادت بعض العقائد، أو تأليه الانسان التي استبطنت عقائد أخرى سابقة.

كما يهب الذات الإنسانية »المستخلفة على الأرض« موقعا أساسيا في التاريخ بتحريرها من كل الأفكار ذات الطابع الغيبي »الميتافيزيقي« التي طالما أسرتها وأعاقت قدرتها على التحرر والنمو الذاتي خاصة تلك الأفكار التي أدعت بالحق الإلهي المقدس في حكم الشعوب، ما كان كفيلا بإلغاء كل قيمة عقلاني.

وموضوعية، ينتجها أو يراكمها التاريخ البشرى، ما يحول بينه وبين فكرة التقدم. وكل ذلك من دون تطرف نحو مفهوم الذات »المطلقة في الوجود« والتي منحتها فلسفات الحداثة الغربية حق الحضور المركزي وربما المنفرد في التاريخ.

هذه الرؤية الوجودية النقية تقوم على عقيدة »التوحيد الإسلامي« كمفهوم جوهري يكفل للذات المستخلفة إزالة كل قيد معرفي أو سياسي يعطل انطلاقها وقدرتها على العمل ومسؤوليتها في الاختيار وطموحها إلى الإبداع وتشييد الأبنية والقواعد التي تحكم هذا العمل بشرط واحد.

هو استلهام هذه الأبنية ــ القواعد لمعناها النهائي من الرؤية الإيمانية للوجود التي ترى في هذا المعنى قانونا إلهيا يتنزل من السماء لا ليحكم الأرض بكل تفاصيلها:

أبنيتها ومؤسساتها وعلاقاتها، وأشكال تنظيمها الاجتماعي والسياسي إخضاعا لها، عند التطبيق العملي والممارسة التاريخية لسلطات قاهرة، بل ليلهمها غايات الوجود النهائية والأساسية التي يفسد الكون بغيابها أو احتجابها، تاركا لها، أي للإرادة الإنسانية، حرية العمل في ظلها.

والبحث في كيفية استلهامها بل وأيضا محررا لها من كل سطوة أرضية لا تبغي هذا الإلهام وناصرا لها على كل سلطة بشرية تبغي الفساد في الأرض بتعطيل عمل هذه القوانين واستلهام هذه الغايات الأساسية حتى وإن تسترت هذه السلطات بلباس الأديان نفسها في قشورها وقوالبها البالية أو القديمة توطيدا لسلطانها.

وترسيخا لهيمنتها إذ تتحدد هذه الغايات النهائية في ضوء الإدراك »العقلي« للدين والمتطور في التجربة الإنسانية التاريخية وليس في ضوء الإدراك »الفطري« للدين والمتجمد عند الأشكال البدائية والقوالب التاريخية.

هذه الرؤية النقية والإيجابية وحدها تستطيع أن تزيل التناقض »الحتمي« بين الإسلام والحداثة على مستوى الرؤية الشاملة للوجود اذ تنهض على صعيد المنهج العلمي على أساس فهم توازني عميق للعلاقة بين الطبيعة بحدودها المادية الملموسة التي تمثل محورا .

أو نسقا لجهد العلم التجريبي الشكي المؤسس للرؤية الحديثة، وبين الوجود الشامل واللامحدود والذي لا يمكن التحقق منه ولا اكتشافه كاملا ما يفرض على العقل الإنساني أن يكون أكثر تواضعا.

وأقل نرجسية فيؤمن بأن جانبا من الحقيقة في معناها الأشمل يبقى ممتنعا عن الاكتشاف، ومستعصيا على التجريب، وهو الفهم والذي يحفظ لكل من الدين والعلم دوريهما الأساسيين بل والمتكاملين في اكتشاف الطبيعة ورؤية الوجود.

غير ان هذه الرؤية الإسلامية للوجود أخذت تعاني تحت وطأة التجربة التاريخية، وتحدى الأزمات الواقعية المتعددة من ضغوط رؤية نقيضة »سلفية« تنطلق كسابقتها من مبدأ التوحيد الإسلامي نفسه .

ولكنها لا تركز على البعد »التحرري« للإرادة الإنسانية من القيود الشكلية والتاريخية المعطلة لانطلاقها، بقدر ما تركز على الفهم النصي الشكلي والذي يصوغ ما يمكن تسميته بـ »الذات المستلبة« التي تؤكد على الجبرية والحتمية.

ومن ثم إلى التواكلية التي تنفى السببية العلمية، وتجهض أي روح نقدية أو إبداعية. فعلى صعيد المنهج تنهض هذه الرؤية السلفية على فهم مختل لعلاقة الطبيعة بالوجود الشامل، فهي تقلص من فضاء التحرر .

والذي هو العالم الواقعي المحسوس والذي يفترض أن تقوم المعرفة، سواء الطبيعية التجريبية أو الاجتماعية السلوكية بفحصه ودراسته في إطار الرؤية الحديثة للوجود، إلى حدود دنيا تكاد تنعدم عند أكثر طوائفه انغلاقا، بينما توسع كثيرا في فضاء اللامحدود.

وغير القابل للتحقق »الميتافيزيقي« إلا من خلال إلهامات واشراقات صوفية أو نصوص دينية حتى يكاد يستوعب الحقيقة الكونية كلها حيث يتقلص كثيرا دور العلم في فهم وتحليل هذه الحقيقة لصالح الدين.

وذلك على العكس من الرؤية الوضعية المتطرفة التي تكاد تمنح العلم وحده كل هذا الفضاء وتحرم الدين منه، وبالاختلاف مع الرؤية التوفيقية التي تصوغ بينهما توازنا يحفظ لكل منهما فضاءه الخاص.

هذه الرؤية الوجودية السلفية التي لا تعترف أحيانا بالعلم الحديث حيث النصوص الدينية هي الأقدر على التفسير الصادق للوجود كله، أو تحاول تأسيس هذا العلم في قلب النصوص الدينية تحقيقاً لإسلامية المعرفة ، صارت تتجسد في تيار عريض هو التيار السلفي .

والذي يدعو إلى تأسيس نظام حياة شامل بديل ينطلق من رؤية خاصة للتاريخ، وللعالم السياسي ولكيفية التأثير فيهما من خلال آليات عمل تختلف كثيرا عن الآليات المتواترة لدى التيار التوفيقي مثلا لأنها تنهض على منطق مختلف يتأسس على افتراضات من قبيل:

1 ـ إن الضمير الأخلاقي المؤسس على الإيمان الروحي العميق يظل هو آلية الفعل الأساسية المؤثرة في صناعة التاريخ الخاص بالأمة ـ حتى الآن ـ وكما كان على زمن الرسالة بما يبثه في الفرد المسلم من روح التضحية وصولاً إلى نموذج المجاهد الشهيد وبغض النظر عن الوسائل التي يحوزها أو يمارس بها جهاده والتي تحتل آنذاك مرتبة تالية في الأهمية.

2 ـ إن أصالتنا تكمن في لحظة تكوين ثقافتنا، وليس في خصوصية تكوينها، ومن ثم فقد تم تفسير مفهوم الأصالة في الاتجاه السلبي والذي يحدده بالزمن وينطلق به في اتجاه الماضي حيث لحظة التشكيل الأولى بكل قوالبها و أشكالها لدى الذات العربية الإسلامية هي مستودع الأصالة الكاملة.

3 ـ إن العودة إلى أصالة الماضي، مع توحد الجماعة المسلمة كفيل وحده، أو بشكل رئيسي على الأقل، بإقالة الأمة من عثرتها ودفعها نحو إعادة امتلاك زمام التاريخ دونما حاجة إلى النقل عن الآخرين أو الاقتباس منهم، أو التلاقح معهم فكل معرفة، وكل فضيلة موجودة في نصوص الإسلام لا ينال منها الزمان.

هذه الرؤية بلا شك تعادى الحداثة وتسعى من ثم إلى »نقضها« وليس مجرد »نقدها« إما لعدم فهمها أو استيعاب منطقها، وإما للشعور بمرارة تأثيراتها السياسية في مجتمعاتنا العربية، ومن ثم تبقى مسؤولة عن صدام الرؤى بين الثقافتين العربية والغربية.

كاتب مصري