عندما قفزت أسعار النفط لأربعة أمثالها بالتزامن مع الحظر النفطي العربي الشهير في خريف عام 1973، قيل إن الدول العربية المنتجة للنفط مسؤولة عن تعرض سوق الاقتصاد العالمي إلى أزمة كبيرة، وفي حمأة الحملة السياسية والإعلامية الدعائية والثقافية التي شنتها دوائر غربية، تحت هذا الزعم بتحريض صهيوني إسرائيلي مكثف، جرى تكوين صورة شديدة السلبية للعرب. فظهر العربي كجاهل مبتز ومسرف وغير مسؤول أو متحضر.. وبأوصاف وملامح مشابهة، تخرج بصاحبها عن العقلانية والسوية الإنسانية وتجعله موضع اشمئزاز وتندر.
بين يدي عمليات الترويج لهذه الصورة النمطية المزورة على أوسع نطاق، غابت وقتذاك أصوات بعض العقلاء ممن راحوا يتدبرون القضية بمنظورات علمية ورؤى شاملة محايدة أولئك الذين طرحوا ان أزمة أسعار الطاقة النفطية لا تعزي إلى تصرف أحادي من جانب العرب أو المنتجين بعامة، بل ثمة عناصر ومحددات حاكمة أخرى لا ينبغي استبعادها من السياق، في طليعتها إرادة الشركات العملاقة المشاركة في إنتاج النفط ومسارات تسويته وتعيين أسعاره.
ومع أن الدول النفطية تعد من المستفيدين من الأزمة إلا أن هذه الدول تظل طرفاً واحداً من المتعاملين مع هذه السلعة الإستراتيجية، وقد يكون دورها أقل شأنا مما يظن به.
ودعم هؤلاء رأيهم بالقول إن النفط يمر بمسار طويل بين حقول الإنتاج وأماكن الاستهلاك، بما يسمح لمصالح كثيرة وأهواء ومخططات وسياسات بالتداخل والتأثير.
حينئذ، وربما إلى وقتنا الراهن، شارك كثيرون في إسكات هذا الرأي الآخر.. ولم تفلح عمليات التوضيح وبسط الحقائق المشفوعة بالأرقام في التعريف بالمسؤولين الحقيقيين عن الأزمة. لقد كانت محاربة هذا الرأي مقصودة لأسباب محددة..
منها أولا، الحفاظ على الصورة الممسوخة التي رسمتها الدعاية المضادة للعرب في إطار الصراع السياسي مع الصهيونية وإسرائيل، وثانيا، تبرير التصعيد الشامل في أسعار منتجات الدول المستهلكة للنفط، وتتجلى أهمية هذا السبب حين نستذكر كيف أن هبوط أسعار النفط لاحقا، لم يستتبعه هبوط مواز في أسعار هذه المنتجات! وثالثا، صيانة التحالفات المعلنة والخفية بين المستهلكين وتقوية جبهتهم، بزعم أنهم مستهدفون في رفاهيتهم وتقدمهم، ولا يجب عليهم الارتهان لإرادة منتجي النفط »الجشعين«!.
وبحكم سيطرتهم واستحواذهم على مفاتح ومفاصل العلاقات الاقتصادية الدولية، تمكن المستهلكون من تحقيق اختراقات قوية في جبهة المنتجين، عربا كانوا أم غير عرب،وكانت النتيجة أن مكانة النفط هذه السلعة الإستراتيجية الفذة غير القابلة للتجدد، باتت مطولا مدعاة للسخرية.
كيف لا وقد نافستها في الأسعار المياه الغازية ومستحضرات التجميل وسلع أخرى كمالية لا قيمة لبعضها بالمرة! ونعلم مع آخرين، أنه عندما حدث ذلك لم ييأس المستهلكون ولاهم عبروا عن الأسف ولا تحدثوا عن كونهم والمنتجون يخوضون الغمار الاقتصادي الدولي في مركب واحد، حيث الاقتصاد المعولم أو الآخذ في التعولم!.
ما جرى هو العكس تماما، إذا انشرحت الدول المستهلكة وهى تصدر إلى الجهات الاربع، عالم الجنوب خاصة، بأسعار خيالية سلعا صنعتها بنفط تشتريه بثمن بخس.
هذا الاستطراد إلى مشاهد حدثت قبل ثلث قرن يبدو لازما في معمعة أزمة أسعار النفط المتفاعلة راهنا.
فبناء عليه نتأكد، مع ذوى الرؤية العقلانية القدامى، اننا اليوم بصدد أزمة كاشفة، ربما لا يصح استبصارها بمعزل عن تلك المشاهد. ذلك أن ريح النظام العربي ومنتجيه النفطيين، أعضاء الأوبك والأوابك، لا توحى بمكانة معتبرة دوليا لا في حقل الاقتصاد ولا في دنيا السياسة.
وليس ثمة دعوة ضاغطة بشأن استخدام »سلاح النفط« في سيناريوهات الاشتباك مع إسرائيل ومحاربيها في عالم الغرب، والصداقة المفرطة مع هذا الغرب والسلام الاستراتيجي مع إسرائيل هما الآن خياران استراتيجيان للعرب، وبكل الأسى، تخضع واحدة من أكبر الدول العربية النفطية، إنتاجا واحتياطيات، لاحتلال غربي مباشر، فيما خلعت دول أخرى رداء الراديكالية وأعلنت اصطفافها طواعية في طابور »المعتدلين« على الطريقة الغربية، ثم إن العرب، النفطيون منهم وغير النفطيين، أضحوا بحاجة لكل بنس (وبعضهم مدين!)، بما لا يؤهلهم للمساومة وممارسة عض الاصابع مع الدول المستهلكة.
كل هذا يدور في عالم يفتقر فيه العرب إلى ظهير دولي يدرأ عنهم غائلة انتقام المستهلكين، إن هم تجرأوا على المساس بالخطوط النفطية الحمراء على صعيدي الإنتاج والأسعار! من أين إذن جاءت الأزمة الحالية؟!.
القصد أن البيئة الإقليمية (العربية بالذات) والدولية، التي سهلت ذات حقبة مرور الأفكار والتصورات المسمومة بحق العرب النفطيين، وأدت إلى شحن العداء ضدهم بين يدي الرأي العام في الدول المستهلكة (الغربية بخاصة)، هذه البيئة أفلتت بالكامل تقريبا.. وهى ظاهرة تكاد تربك قوى معسكر المتربصين بهؤلاء العرب في أجواء الأزمة المتفاعلة الآن.. ويتفاقم موقف هذه القوى بالنظر إلى العروض العربية السخية للمساهمة في إزاحة هذه الأزمة (مثل زيادة الإنتاج عن الحصص المقررة سعيا لخفض الاسعار).
والظاهر أن أوساط الرأي العام في الدول المستهلكة باتت على دراية بهذه الحيثيات، نفهم ذلك من الحذر في كيل الاتهامات وتوجيه العبوات الدعائية الجاهزة بحق المنتجين العرب على غرار ما كان يحدث سابقا. لكن هذا التطور لن يؤتي أكله بالنسبة للعرب، لاسيما على مضمار تحسين الصورة ما لم يقترن بمقاربة عربية تكشف زيف الدعاوى بأثر رجعي ومستقبلي حول مسؤوليتهم وحدهم عن حالة الاقتصاد في الدول المستهلكة للنفط، انتعاشا أو ركودا.
وذلك استنادا إلى أن أسعار النفط تحلق اليوم عاليا بلا رادع بمعزل عن إرادة المنتجين ونيتهم. وإنه يتوجب على المتضررين من انفلات هذه الأسعار تبصر أي أطراف اقتصاد النفط له مصلحة في هذه الظاهرة وهو قادر على افتعالها؟!
كاتب وأكاديمي فلسطيني