من أكثر الألفاظ اللغوية تطبيقا (فعليا وليس لغويا) في العصر الحديث: »المغالطات«. وكثير من الأفراد وبعض الدول تستخدم هذه اللفظة لتحقيق مصالح فردية على حساب الحقوق الشرعية لأفراد أو دول أخرى. والمغالطات لا تكون فقط من خلال إعطاء معلومة خاطئة على أساس أنها صحيحة، فالمغالطة قد تكون أيضا من خلال الحذف المتعمد لمعلومة قد تكون من صالح الطرف الآخر! وقد تكون تلك المعلومة المحذوفة تتضمن إلغاء شعب بأكمله!
ولو نظرنا إلى خارطة العالم اليوم لوجدنا أن أكثر الدول التي تتعمد استخدام أسلوب »المغالطات« المتعمدة وفي وضح النهار هي الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإسرائيل. ومغالطاتها تتضمن نوعا من التناقضات التي يتحدث عنها الشارع العام في كل مكان بنوع من التهكم. وأفظع تلك المغالطات التي يعرفها التاريخ بأكمله هي تلك المتعلقة بقيام دولة إسرائيل.
فلو تمعنا قليلا في المبادئ التي قامت عليها دولة الكيان لوجدنا أنها قائمة على مغالطة وتناقض فاضح. فالادعاء بأن أرض إسرائيل إنما هي منحة ووعد من الله (أرض الميعاد) لليهود فقط إدعاء في حاجة إلى مراجعة فلسفية قبل المراجعة السياسية. ولكي يسلم العالم بصحة ذلك عليه أن يؤمن أولا بتفاصيل الديانة اليهودية.
فكيف يمكن للياباني الذي لا يؤمن إلا بديانته البوذية مثلا أن يقتنع بشرعية حق اليهود في احتلال فلسطين اعتمادا على وعود إلهية نزلت عليهم؟ وكيف يمكننا أن نقنع هذا الياباني بذلك؟ وإذا افترضنا أنه سلم بحق اليهود في احتلال فلسطين لأن دينهم يشير إلى ذلك، فعليه إذن إذا طالبت إحدى جماعات الهندوس بحقها في احتلال إحدى جزر اليابان لأن ديانتهم الهندوسية تدعو إلى حق الهندوس في جعل هذه الجزيرة أرض الميعاد - عليه إذن أن يقبل بهذا ويتنازل اليابانيون بكل جزر اليابان إلى تلك الطائفة بناء على المعادلة السابقة!
وكذلك على اليهود في هذه الحالة أن يذعنوا لأي طائفة أو فئة - حتى ولو جاءت من أدغال أفريقيا - جاءت للمطالبة بحقها في أرض الميعاد التي تقع حدودها تماما على الأرض التي تقع فيها إسرائيل اليوم، بافتراض أن هذه الطائفة أو الفئة تحمل معها ما يثبت إدعاءها من خلال الكتب الشعائرية التي تعود لأكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل ولادة المسيح!
إن اليهود - وفي مغالطة أخرى ، وهم الذين ما فتئوا من البكاء والعويل أمام أعين العالم بأنهم ضحايا التاريخ والتشرد و(الشفاح) والقتل الجماعي والهولوكوست والعنصرية (Antisemtisme) - لم يقوموا فقط باحتلال أرض يدعون أنها تعود لهم اعتمادا على كتبهم المقدسة، وإنما قاموا ومازالوا إلى هذه اللحظة يقومون بتشريد وقتل وتصفية ومحاولة القضاء على شعب بأكمله ومحاولة (مسحه) من على الخريطة لكي يحققوا تلك الوعود في الوقت الذي يمارسون فيه أبشع أنواع العنصرية التي لم يعرف لها التاريخ مثيلا.
بل والأدهى من ذلك انهم يدعون أنه لا يوجد أساسا شعب اسمه شعب فلسطيني، كما صرحت بذلك غولدا مائير في صحيفة الصنداي تايمز عام 1969. هذه المغالطات التاريخية - بما فيها من تناقضات غريبة - هي واحدة من الأسس الضعيفة التي قامت عليها دولة إسرائيل، وهي بذلك تناقض نفسها بنفسها.
وقد جرت اللعبة على العالم بأسره لأن من يدعم نشأة وبقاء هذا الكيان هم من حيث التسلسل التاريخي: بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأميركية اللتان تمارسان نفس لعبة المغالطات في حق شعوب العالم. وإذا ما استبعدنا الأولى لكونها لم تعد بعد اليوم تخيف أحدا بعد أن غرقت في مشاكلها الداخلية وفضائح الأسرة المالكة، فإن الولايات المتحدة الأميركية تصبح الدولة الأعظم في ممارسة تلك المغالطات.
فإذا كانت قد جندت كل طاقاتها والعالم بأسره من خلال الأمم المتحدة للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وتوجيه الاتهام مسبقا إلى سوريا (في الوقت الذي لا يستبعد فيه المحللون السياسيون أن تكون هي وإسرائيل مشتركتين في اللعبة)، فهل ستسمح لروسيا مثلا بالتحقيق مع إسرائيل أو الولايات المتحدة الأميركية نفسها لمعرفة الأسباب الحقيقية لوفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات؟!
ولماذا لم يكشف حتى الآن النقاب عن التقرير الطبي المتعلق بوفاته؟ وإذا كانت الولايات المتحدة تنادي الدول الضعيفة فقط بالشفافية والمصداقية فهل ستسمح لنا بفتح ملفات مخابراتها منذ إنشائها إلى اليوم؟
وتظل المغالطة الكبرى في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية هي غزو العراق وتدميره بالكامل.
فتفاصيل خطط اللعبة منذ غزو الكويت إلى سقوط صدام لم تعد تخفى على أحد اللهم إلا على الشعب الأميركي الذي توجهه رياح الإعلام حيثما تشاء. وكم كنا نود لو أنها كانت تملك نفس الجرأة و نفس الغيرة على العدالة الإنسانية ومحاربة الظلم وردع الاحتلال الغاشم فقامت بمهاجمة الاتحاد السوفييتي بعد غزوه واحتلاله أفغانستان، تماما كما فعلت مع العراق بعد غزوه واحتلاله الكويت!
إن الأحداث التي تؤكد مثل هذه المغالطات لا حدود لها.
بدءاً من اكتشاف الأميركيتين والقضاء على السكان الأصليين مرورا بفيتنام ووصولا إلى البحث عن أسلحة الدمار الشامل في بلد لم يجد ما يأكله واتجاها إلى نية التحقيق مع رئيس جمهورية عربية في شأن انتحار أحد رجال السياسة لديه!
إن تصرفات بعض الدول الكبرى والتي تقدم نفسها بأنها راعية الحرية والديمقراطية في العالم، هذه التصرفات المتناقضة تعيدها من جديد في نظر الكثير من الدارسين إلى صفوف بعض دول العالم الثالث.
جامعة الامارات
dralaboodi@gmail.com