أما قبل، فإنني أعتذر للقراء الأعزاء عن الأيام السابقة التي لم أتمكن فيها من كتابة »الأبجديات«، فقد منعني عارض السفر المفاجئ أولاً، وحينما عدت أنهكني المرض ثانياً، فحرمت متعتين، هما الكتابة ولقاؤكم اليومي والتواصل معكم، فلكم كل الاعتذار، ولكم ضياء المحبة وسلام العيد، وكل عام وأنتم بخير.

لقد يسر الله لي أمر السفر مع مجموعة طيبة من الأخوات والإخوة الصحافيين لأداء مناسك العمرة في العشر الأواخر من رمضان المبارك، في رحلة تكفل بكل نفقاتها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، فجزاه الله خيراً، وجعل ذلك في ميزان حسناته، وقد أخذت جمعية الصحافيين على عاتقها أمر ترتيب الرحلة ومتابعتها بصبر وإتقان، فلهم الشكر والتقدير.

ليس الزحام بأمر غريب هناك في مكة المكرمة، لكنك وأنت تطل على الجموع من مكان مرتفع، وعبر نافذة غرفتك المطلة على الحرم مباشرة لا تصدق عينيك، فكل هذه الحشود التي تغدو متسارعة صوب البيت الحرام لا تأمل في غير موقع باتساع شبر، أو ربما أقل، لتضع جبينها ساجدة، خاشعة، مبتهلة للخالق، طالبة عفوه ورضاه ومغفرته.. فلا يسعفك سوى قلبك الخاشع ولسانك الذاكر، فتردد مذهولاً: سبحان الله.. لقد أحصاهم وعدهم عداً، وإن كل إلا آتٍ الرحمن فردا!

وتقع في هوى الكعبة منذ النظرة الأولى، ويستبد بك الشوق لردهات المسجد وممراته، فتتعلق بكل شيء فيه: صحن المسجد، أعمدته، معلقاته، زخارفه، حشود المصلين الطائفين الراكعين الساجدين الذاكرين، أبوابه، وماء زمزم الطاهر ولحظة الإفطار في ركن من أركانه على بضع تمرات وشربة من زمزم المباركة.

ولا ينازعك هواك لذلك المكان هوى، ولا يخطر ببالك خاطر، أنت منفتح على فضاءات الرحمة والمغرفة والصفاء، أنت منفتح على كل كون الله، ليس بينك وبينه حجاب، فأنت في بيته، أمام الكعبة الشريفة، أول بيت وضع للناس ببكة مباركاً وهدى للعالمين.

الجموع تسرع، تتدافع، تلهث، تحث الخطو، باحثة عن موطئ قدم تصطف فيه للصلاة والوقوف بين يدي الله، تتضرع تدعو، تبكي، تغسل أدران الدنيا لتتطهر وتعود متخففة من أعبائها وشقاواتها وتفاهاتها، فسبحان الذي يسر لنا هذا الفضل العظيم.

مع ذلك، فإنك هناك، وأنت تتأمل هذا كله، ترى بعين المسلم الفاحص المحب أحوال المسلمين جلية واضحة، ترى الفقر جلياً، والجهل واضحاً، وترى الخلاف، وتسمع الجدال والنقاشات الغاضبة لأتفه الأسباب، تتيقن من أن الإسلام عظيم في كل لحظة وأن بإمكان هذه الأمة أن تكون الأعظم والأفضل والأقوى والأغنى والأكثر رقياً وتحضراً، لو أنها اتبعت تعاليم الإسلام،

وتمسكت به بلا بدع، ولا تشنج ولا مبالغة، وبلا تهاون أو تخاذل، وتتيقن بالدليل والبرهان من أن المسلمين يذهبون للتمسك بدينهم أكثر، برغم كل ما يقال وما يشاع، وبأن نسبة الشباب والصغار المتهافتين على المسجد الحرام بهمة وإخلاص خير شاهد على هذه العودة وهذا التمسك.

إنه الإسلام، هذا الدين السهل، الجميل، الغني بكل ما يمكن أن يرقى بالنفس والروح والجسد، بلا تعصب ولا تشنج ولا مبالغة. دين يفجر الهمم والطاقات ويوجهها نحو الكمال والبناء والحضارة، فلماذا؟

لماذا برغم كل هذه الكثرة وهذا الاندفاع للدين، لماذا نسقط أمام تحدي أن نكون أو لا نكون؟ لماذا نصر على أن نكون كغثاء السيل تتداعى علينا الأمم ويتحكم فينا العدو والغريب والسفيه؟ وسبحان الله الذي له في خلقه شؤون، وله الأمر من قبل ومن بعد.

sultan@dmi.gov.ae