»إذا لم تستح فافعل ما شئت« مثل عربي عبقري كان أفضل تعبير عن حالة التخبط في الإدارة الأميركية قبل أسبوع. عندما صدر التقرير المبدئي للمحقق الألماني ديتليف ميليس بشأن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري جاء فيه ان كل من وردت أسماؤهم أو مشتبه بهم في التقرير هم أبرياء حتى تتم إدانتهم.
تقرير ميليس تحدث في فقرات كثيرة عن أجواء سياسية.. لم يستطع أن يقدم أية أدلة دامغة تربط أي متهم بالجريمة، ولذلك أكد التحقيق أنه لا يزال مستمراً.. رغم كل ذلك سارع أركان الإدارة الأميركية من جورج بوش ونائبه ديك تشيني حتى كوندوليزا رايس والمندوب في الأمم المتحدة المتطرف جون بولتون.. كل هؤلاء وغيرهم كثير في الغرب سارعوا إلى المطالبة بالقبض على مسؤولين سوريين بحجة انهم متورطون..
رغم ان التقرير لم يذكر أسماءهم، بل تجاوز البعض للمطالبة بإسقاط النظام السوري وليس الاكتفاء فقط بمحاولة تغيير سلوكه من وجهة نظر واشنطن التي كبلت دمشق بقرار دولي كي تنتقم منها بسبب ما تعتقد أنه دور سوري معطل في العراق وفلسطين ولبنان وليس بسبب اغتيال الحريري.
كل ما سبق ليس دفاعاً عن سوريا، ولكنه سرد لازم في محاولة لرصد ظاهرة فاقعة ومخجلة في كيفية ممارسة السياسة بعيداً عن أي معايير أخلاقية.
ففي الثامن والعشرين من اكتوبر الماضي وجه القاضي الأميركي المستقل باتريك فيتزجيرالد الاتهام إلى لويس ليبي »سكوتر« مدير مكتب نائب الرئيس ديك تشيني بتهم تشمل عرقلة العدالة والكذب وتسريب اسم عميلة سرية إلى الصحافة، وهي تهم خطيرة قد يسجن بسببها ليبي 30 عاماً.
الاتهامات الموجهة ضد ليبي شبه ثابتة عكس ما هو وارد في تقرير ميليس من ظنون واعتقادات وأدلة ظرفية وقراءة سياسية ورغم ذلك خرج ديك تشيني ليعلن أن مدير مكتبه لويس ليبي بريء حتى تثبت إدانته وأنه قبل استقالته آسفاً.
كلام تشيني بشأن براءة مدير مكتبه صحيح، ولكن لماذا لا ينطبق الأمر على من وردت أسماؤهم في تقرير ميليس، لماذا يراد التنكيل بهم ومصادرة أموالهم ومنع تحركهم. ولماذا يراد تدمير سوريا بسبب وحيد، فقط أن بعض مواطنيها أو حتى مسؤوليها مشتبه في تورطهم بالجريمة.
ليس هناك من تفسير لهذا التناقض الصارخ في ازدواج المعايير سوى منطق القوة الغاشمة، والثور الهائج الذي يحطم دائماً مخازن الخزف.
عندما جاءت إدارة بوش للبيت الأبيض في ولايتها الأولى قالت إن أحد أولوياتها هو إعادة القيم الأخلاقية إلى البيت الأبيض في أعقاب تأثيرات فضيحة بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي.. الآن وبعد فضيحة ليبي التي قد تطول لاحقاً كارل روف كبير موظفي البيت الأبيض أو بتعبير آخر العقل المفكر لبوش ومدير حملاته الانتخابية، فإن كل ما قالته ولاكته هذه الإدارة عن الأخلاق ثبت بما يشبه اليقين أنه محض لغو فارغ، وأن هذه الإدارة التي يطلق عليها كتاب وسياسيون اميركيون انها عصابة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لم تتورع عن ارتكاب كل شيء في سبيل تمرير أجندتها المتطرفة.
سياسة هذه الإدارة ليست هي هدفنا اليوم، كل ما تحاول كشفه أن هذه الإدارة التي تريد أن تعلمنا الديمقراطية ومبادئ الشفافية والصدق ولا تلتزم بهذه المعايير حتى مع مواطنيها أنفسهم، وكل ما نطلبه من أركانها أن يراعوا أننا نملك بعض العقل، ولذلك فقط نرجوهم أن يسعوا إلى تجميل كذبهم وتغليفه حتى لا يكون هكذا سافراً. نعرف أن ممارسة السياسة هي غالباً بلا أخلاق.. لكن كل ما نرجوه القليل منها.
emadiraqi@yahoo.com