تابع الكثيرون، وبدرجة غير عادية خلال شهر رمضان المبارك مسلسل حاير طاير، مما يجعل للحديث حول هذا العمل والنظر فيما قدمه أهمية خاصة لدى المهتمين بالشأن الإعلامي في بلدنا.

هذه الأهمية لها أسباب كثيرة، بعضها يتعلق بأهمية العمل الدرامي المحلي الجيد وبضرورة الاهتمام به، وبعضها الآخر يتعلق برؤيتنا وبطموحنا في المدى الذي نتمنى لمثل هذه الأعمال أن تصل إليه، وبالأخص من ناحية الرعاية والدعم المطلوبين في تعزيزها.

في البداية لابد من القول إن هذا العمل، وبالذات المجموعة من الفنانين التي قدمته واشتغلت عليه يستحق منا التحية والإشادة. أولاً على الأداء والجهد المميزين الذين قدم بهما، وثانياً على طرحه المباشر للكثير من القضايا والهموم المحلية التي تهم الناس وتعنيهم بشكل يومي. ولقد ارتأيت في البداية أن أشيد بمجموعة الفنانين التي شاركت في هذا العمل لأن هذه المجموعة، وآخرين من زملائهم، يستحقون تلك الإشادة لما بذلوه من جهود، ومن تضحيات أيضاً، وعلى مدى سنوات طويلة في مجال العمل الثقافي، وبالذات في مجال المسرح والتمثيل، حتى وصلوا لما وصلوا إليه.

فالذي يعرف هؤلاء الفنانين يعرف عنهم تمسكهم بالاهتمام بفنونهم، وعلى رأسها المسرح، وتضحياتهم الكبيرة في هذا المجال. حتى في الأوقات التي لم يحصلوا فيها، ليس فقط على الاهتمام والمتابعة اللنذي يستحقونها ممن الأجهزة الإعلامية وغيرها، بل حتى الدعم المادي الذي يليق بجهودهم.

فالذين يعرفون هؤلاء الناس عن قرب يعرفون مدى التضحيات التي قدموها للحياة الثقافية والمعاناة التي تكبدوها في سبيل الاستمرار في الارتباط بهذا النوع من الفنون على الرغم من أنهم لم يجدوا لا الدعم المادي الذي يليق بجهودهم، ولا حتى الدعم المعنوي والاهتمام الكافي بأعمالهم في دولة فاض خيرها على العالم واستفاد منها أناس لم يقدموا للمجتمع ربع ما قدمه هؤلاء من أعمال ومن تضحيات.

وحده مهرجان الشارقة المسرحي شكل لهم الحافز والسند لسنوات طويلة هذا على الرغم مما يشكلونه من روافد مهمة للحركة الفنية في الإمارات، والتي لهم الفضل الأكبر في صيانتها وفي إبقاء جذوتها والمحافظة عليها. فهؤلاء الفنانون، وعبر سنوات طويلة، قدموا الكثير من الأعمال الجيدة، وبخاصة في أيام الشارقة المسرحية، التي لاقت الكثير من الثناء، بل حتى الاعتراف بقيمتها، ليس محلياً فقط ولكن في مهرجانات عربية ذات طابع دولي. فمعروف، على سبيل المثال لا الحصر، عن الفنانة المتميزة سميرة أحمد أنها نالت قبل سنوات جائزة أحسن ممثلة في مهرجان مسرحي في تونس، وأخرى من مهرجان آخر.

والذي يراها اليوم ويرى غيرها من زميلاتها وزملائها يدرك أنهم لا يقلون حرفية عن الكثيرين من الفنانين العرب المهمين، مما يجعل الاهتمام بهم وبأعمالهم وبرعايتهم أيضاً شرطاً ضرورياً للارتقاء بالحركة الفنية في الإمارات، ومطلوب من القائمين على الشأن الثقافي والمسؤولين في القطاعات المختلفة ذات العلاقة بمثل هذه الأمور أن يعطوهم الاهتمام الذي لاقوه في مسلسل »حاير طاير« جعلهم يقدمون إبداعات مهمة.

من جانب آخر، أكدت لنا المتابعة الكبيرة لهذا المسلسل أن الجمهور يتابع البرامج والأعمال التي تعنى بشأنه وتطرح قضاياه، وأن الجمهور المحلي، وبالذات من المواطنين يرتبطون بالأعمال التي تمثلهم أكثر من ارتباطهم بأعمال أخرى قد يستمتعون بها ويتابعونها، لكنهم يجدون أنفسهم أكثر في الإنتاج المحلي.

وهذا ما تؤكده الدراسات الكثيرة في مجال الإعلام، والتي ترى أن الناس تكون قريبة أكثر من البرامج التي تقدم لهم من خلال لغتهم وثقافتهم وذوقهم. وهذا ما نلمسه في البرامج التي تشتغل عليها مؤسسات إعلامية كبيرة ذات استراتيجيات محددة حيث تنتج برامجاً تكون موجهة في الأساس لثقافات مختلفة. حيث تختار تلك المؤسسات صيغاً في رسائلها تكون متماهية مع، أو مرتبطة بشكل مباشر بالثقافة الموجهة لها.

زيادة على ذلك، من المعروف في مجال الإعلام أن العمل الدرامي أهم وأخطر ناقل للقيم والأفكار وذلك لأن هذا النوع من الأعمال الفنية يحظى بشعبية خاصة لدى العامة من الناس. فاهتمام الناس بـ »الحكاية« وبالقصة أكثر بكثير من اهتمامهم بأي نوع آخر من البرامج. لذا فإننا نرى أن الدول والجماعات التي تسعى للترويج لأفكارها بذكاء تعمل على ذلك من خلال الأعمال الفنية، وليس من خلال الخطاب المباشر. من هنا تأتي ضرورة الاهتمام بالعمل الفني من قبل مؤسساتنا الإعلامية والثقافية، وأن تكون هناك موجهات محددة للرسائل التي نطمح في أن يتضمنها، حتى لا تكون هناك أفكار متضاربة أو رسائل تدمر بعضها البعض.

من هذا المنطلق، وبعد أن نحيي مرة أخرى طاقم »حاير طاير« على الجهد والعمل الجميل الذي قدموه من خلال تركيزهم على الكثير من المشكلات الموجودة في مجتمعنا، والتي يعاني منها الإنسان العادي، إلا أن لنا بعض الملاحظات التي نرجو أن تولى بعض الاهتمام في هذه الأعمال مستقبلاً. فعلى الرغم من أننا نعرف أن التمثيليات والأعمال التي تعتمد على حس الفكاهة تعتمد أيضاً على المبالغة في الصور الفنية وفي الأداء، إلا أن هذا لا يلغي الاهتمام بما تقدمه من رسائل ذات مضامين قيمية وأخلاقية، وحاجة هذه الأعمال أيضاً لأن نعطيها اهتماما يليق بها من الدراسة، لأن خطورة العمل الفكاهي أكبر من خطورة العمل الجاد.

من هذه الملاحظات الصورة التي قدمت بها المرأة، والتي كانت في الكثير من الأحيان، بل في أغلبها ذات طابع سلبي. فالمرأة كانت دائماً مغلوبة على أمرها، وتتعرض للأذى والتجريح كثيراً. كما أنها لا تجيد التصرف في المكان العام.

أيضاً الصورة التي قدم بها الشخص الحاصل على شهادة الدكتوراه، والتي صور فيها على أنه شخص ذاتي جداً على الرغم من ادعائه الارتباط بقضايا الناس إلا أنه هو الآخر رجل مرتبط بمصالحه الشخصية. لا شك أن في الواقع نماذج كثيرة من الشخصيات التي قدمها المسلسل، لكن الانتباه لما يمكن أن تثبته أو تنفيه تلك الشخصيات من قيم أو من مفاهيم في المجتمع أمر له أهميته، وجدير بأن يولى عناية كبيرة من القائمين على الشأن الإعلامي والثقافي في الدولة.

جامعة الإمارات