روعت أميركا ــ وروع معها العالم ــ عندما لم يكن هناك خطة لإنقاذ أولئك الذين تقطعت بهم السبل بعد كاترينا. وشاهدنا جميعا العواقب الكارثية للمحسوبية وانعدام الكفاءة.

والآن كف الأميركيون ــ وبقية العالم ــ عن المراقبة، لكن إلى الآن ليس هناك أي خطة لتضمين الناجين في عملية إعادة الإعمار، كما لم تكن هنالك خطة لإنقاذهم. ليس هناك خطة لإعادة الناجين المشتتين في أكثر من 40 ولاية إلى ديارهم، وليس هناك خطة لإعطائهم أولوية في الوظائف الشاغرة وتشغيلهم في أعمال إعادة بناء مدينتهم، وإن المحسوبية الفساد، انعدام الكفاءة والايديولوجية العمياء تهدد بزيادة معاناة أولئك الذين تم التخلي عنهم وقت الشدة.

الأسبوع الماضي، أعلن رأي ناجين، عمدة نيو أورليانز، إنه سيضطر لتسريح 3000 موظف من أعمالهم، أي حوالي نصف القوة العاملة بالمدينة، كنتيجة للضائقة المالية التي تمربها المدينة في أعقاب كاترينا. ولم تجد كل الالتماسات التي قدمت لوكالة إدارة الطوارئ »فيما« والكونغرس أي أذن صاغية، والقاعدة الضريبية لنيو أورليانز غدت مشتتة في أنحاء البلد.

إن تفكيك حكومة المدينة ليس أمراً خطيراً فحسب وإنما كان عجيباً أيضا، إذا أخذنا بعين الاعتبار مليارات الدولارات التي قدمتها مصادر عامة وخاصة في أعقاب الإعصار. ولقد قدر العمدة ناجين بأن هذا الإجراء سوف يوفر »5 إلى 8 ملايين دولار بالشهر«.

وتظهر دراسات معهد الدراسات الجنوبية ان إجمالي هذه المبالغ على مدار سنة كاملة يقل بــ 22 مليونا عن المبالغ التي دفعتها وكالة إدارة الطوارئ لأصحاب الشاحنات لنقل حمولات لم تنقل البتة، وأقل بــ 185 مليون دولار مما دفعته الوكالة لشركة الخطوط البحرية »كارنفال كروز« لإيواء الذين تم إخلاؤهم من كاترينا، حيث ابتزت الشركة أموال دافعي الضرائب بطلب أسعار مضاعفة عن أسعارها العادية. لا بل أن العقد الذي منح لشركة هاليبرتون من دون عطاء بقيمة 500 مليون دولار لإزالة الركام من المدينة كفيل وحده بتغطية هؤلاء الموظفين لـ 77 سنة.

لقد تم تخصيص المليارات، وتم إخراج المليارات في عقود من دون عطاءات علنية. لكن ليس هناك استراتيجية لإعادة المشردين إلى ديارهم ولتشغيلهم في إعادة بناء مدينتهم. وكما تقول صحيفة »واشنطن بوست« فإن 90 في المئة من العقود ستذهب إلى شركات من خارج المنطقة.

ما تحتاجه نيو أورليانز هو وجود مسؤول على المستوى الفيدرالي يتولى المسؤولية كاملة. وهي تحتاج لخطط للاستثمارات العامة في إعادة بناء البنية التحتية للمدينة ــ من السدود والمواصلات العامة إلى المدارس والحدائق وشبكات الصرف الصحي والمجمعات السكنية الرخيصة. وإن لفرقة إعادة الاعمار المدني أهمية حيوية في إعادة تنظيم السكان السابقين وتدريبهم إذا دعت الضرورة وتشغيلهم. وهؤلاء بحاجة لمساكن رخيصة مؤقتة لكي يتمكنوا من العودة إلى مدينتهم ومن البديهي أن المدينة يجب ان توسع قوتها العاملة لا أن تسرح نصفها.

لماذا لا يحدث هذا؟ لقد وصل انعدام الكفاءة إلى مستويات مذهلة. وافقت وكالة إدارة الطوارئ تحت الضغط، على إعادة فتح العديد من العقود التي كان مقررا لها ان تمنح بدون عطاءات. لكن كثيرا من هذا التخبط مرده إلى الايديولوجية فهذه الإدارة لا تؤمن بضرورة تفعيل الأداء الحكومي خارج نطاق القوات المسلحة. ولا تؤمن بالتخطيط العام. لا بل إنها عملت بشكل ممنهج على تقليص الاستثمار في البنية التحتية.

ليس هناك مسؤول فيدرالي رفيع المستوى يتولى مسؤولية إعادة الإعمار في ساحل الخليج. ليس هناك أحد يتولى التنسيق ودفع العملية إلى الأمام وأعلنت إدارة بوش في بادئ الأمر عن إيلاء الأمر لكارل روف، مستشار الرئيس في حملته الانتخابية لكن روف يواجه هيئة محلفين كبرى للمرة الرابعة في قضية الكشف عن هوية عميلة الاستخبارات فاليري بليم. والآن يقول البيت الأبيض أن روف لم يكلف أبداً بأية مسؤوليات في هذا الصدد. ولما سئل الناطق باسم البيت الأبيض سكوت مكليلان من المسؤول إذن أجاب إن »الرئيس هو المسؤول« لكن الرئيس أيضاً لربما لديه أشياء كثيرة أخرى تشغله.

وبدلاً من وضع خطة مدروسة بعناية تقوم الإدارة بصرف الأموال الطائلة للمقاولين من القطاع الخاص والرئيس بوش يقول »إن المحرك الذي يدفع النمو وتوليد الوظائف في أميركا هو القطاع الخاص، والقطاع الخاص سيكون المحرك الذي يدفع العملية في ساحل الخليج«.

هذا بيان أيديولوجي لا يمت للخبرات العملية بصلة فالسياسات الاقتصادية التي انتهجها الرئيس بوش انتجت خسائر في فرص العمل في القطاع الخاص، خارج القطاع العسكري. ونمو العمالة الذي شهدناه في عهد بوش يأتي من زيادة الوظائف العامة (خاصة مع توسيع القوات المسلحة ووزارة الأمن الداخلي) ووظائف القطاع العسكري من المليارات التي تذهب لمقاولي الحرب من القطاع الخاص في العراق وأفغانستان وبرغم الازدهار في قطاع الإسكان فلقد خسرنا وظائف في القطاع الخاص خارج القطاع العسكري في عهد بوش.

إذا روعكم خذلان هذه الإدارة للضعفاء الذين ضربهم إعصار كاترينا، فحري بكم توخي الحذر الآن لأن الناجين من كاترينا على وشك التعرض للدمار مرة أخرى، إذا بقينا على الطريق الذي نسير فيه الآن.

خدمة »لوس أنجلوس تايمز«

خاص لـ »البيان«