تضمن قانون إدارة الدولة العراقية، للمرحلة الانتقالية، ثلاثة استحقاقات زمنية، الأول يتعلق بالانتخابات التي أتت بالجمعية الوطنية الحالية في أواخر يناير الماضي، والثاني كان الخامس عشر من أكتوبر المنصرم، موعد الاستفتاء، على مسودة الدستور الدائم، الذي وضعته الجمعية الوطنية،
بالتعاون مع قادة الكتل السياسية في البلد. أما الاستحقاق الزمني الثالث، وهو الأهم، فهو الخامس عشر من ديسمبر المقبل، موعد انتخاب المجلس النيابي الجديد، الذي سوف يولد في ظله، مجلس رئاسي جديد، يمارس عمله لمدة أربع سنوات، ووزارة جديدة تمارس عملها للمدة نفسها.
أفرزت الانتخابات السابقة، في ظل ظروف استثنائية، جمعية وطنية ينقصها التمثيل الحقيقي للشعب العراقي، بسبب مقاطعة شريحة مهمة منه للانتخابات.
فقد فازت قائمة الائتلاف العراقي الموحد بمئة وأربعين مقعداً من أصل مئتين وخمسة وسبعين، وفازت قائمة التحالف الكردستاني بسبعة وسبعين مقعداً، وفازت القائمة العراقية بأربعين مقعداً فقط. وهكذا حصلت القوائم الثلاث الرئيسية، على ما يزيد على 93 % من مقاعد الجمعية الوطنية.
أما الكيانات الأخرى، فلم تستطع أن تشغل غير عدد ضئيل جداً من المقاعد، مما جعلها كيانات غير فاعلة أو مؤثرة على سير الأحداث، فقد تشكلت الوزارة الانتقالية، وفق مقاييس القائمتين الرئيسيتين: الائتلاف العراقي الموحد والتحالف الكردستاني.
و كان من نتائج ذلك، أن تفاقمت الاحتقانات العرقية والمذهبية، ووصلت إلى مستوى غير مسبوق، تداعت في ضوئه الكثير من قيم المجتمع العراقي، المتسامح بطبعه، والذي كان على مر تاريخه شاهداً على تداخل وتواصل الأرحام، بين الأعراق والمذاهب المختلفة. وترافق مع ذلك، تردي الأوضاع العامة في معظم مجالات الحياة، وتوقعات بتداعيات أكثر خطورة.
لقد برهنت الشهور الماضية، بأن ممارسة العمل السياسي، والتخطيط واتخاذ القرارات، من منطلق الانتماء العرقي أو الطائفي، نهج خطير، لا يؤسس عراقاً ديمقراطياً، نطمح إليه، ولا يساعد على بناء دولة عصرية، تسهم في المسيرة الحضارية الإنسانية.
كانت الانتخابات الماضية، هزيمة كبيرة، للفئات الليبرالية العراقية، التي هي في الواقع، من يستطيع الأخذ بيد العراق، في هذه الظروف العصيبة، إلى بر الأمان. ويبدو من متابعة الأحداث، بأن هذه الشريحة المهمة من الشعب العراقي، قد قامت بوضع خلافاتها جانباً،
وعقدت العزم على التضامن فيما بينها، من أجل القيام بواجبها التاريخي، وخوض الانتخابات القادمة بقائمة موحدة، ومشروع وطني عراقي موحد، فقد عاش العراقيون، ولفترة طويلة، في ظل قيم وطنية لا تتقبل التشرذم والتشظي.
لم يتبق، إلا أسابيع قليلة، على موعد الانتخابات القادمة، وقد بلغ المجموع النهائي للائتلافات والكيانات، التي ستشارك في انتخابات ديسمبر المقبل، 228 كياناً من ضمنها 21 ائتلافاً. ويزيد هذا العدد على ضعف عدد الكيانات والائتلافات، التي ساهمت في الانتخابات السابقة. إلا أن من بين هذا العدد الكبير، من المتنافسين، على مقاعد مجلس النواب المقبل، هنالك أربعة تكتلات رئيسية فقط، هي:
1- الائتلاف العراقي الموحد.
2- التحالف الكردستاني.
3- القائمة العراقية.
4- جبهة التوافق العراقية.
والكيان الجديد في هذه المجموعة، هو جبهة التوافق العراقية، وهو ائتلاف يتكون من كيانات، تشكل بعضها مؤخراً، من الذين قاطعوا الانتخابات السابقة. ويعتبره المراقبون ممثلاً للعرب السنة، رغم أنه يضم الكثير من الليبراليين.
سوف تحصد هذه الائتلافات الأربعة، نسبة كبيرة، من المقاعد النيابية، ولكن ليس بالقدر الذي شغلته القوائم الثلاث، في الانتخابات السابقة، مما يتيح للتكتلات الصغيرة، أن تلعب دوراً أكبر في المعادلة السياسية، من خلال تحالفات، تعقدها مع كيانات أخرى. ومن المتوقع أن تفرز الانتخابات القادمة، خارطة جديدة للمجلس النيابي، من معالمها:
1- مجلس نواب، أكثر توازناً، في تركيبته، من الجمعية الوطنية الحالية، ولكن ليس أقل تعزيزاً للنهج الطائفي، وذلك لأسباب عديدة، لعل أبرزها:
ا- حصول جبهة التوافق العراقية على عشرات المقاعد النيابية، ينبثق في ضوئه، تكتل مذهبي سني.
ب- تحول كتلة الائتلاف العراقي الموحد إلى تكتل شيعي بحت، بعد أن انسحب منها الليبراليون، الذين كانوا يمنحون الائتلاف فرصة، ولو ضئيلة، للإدعاء بأنه يمثل الطيف العراقي.
2- تقلص عدد نواب الائتلاف العراقي الموحد، وذلك على قاعدة تآكل جماهيرية هذا الائتلاف. وتقلص عدد نواب التحالف الكردستاني، بسبب انفصال الحزب الإسلامي الكردستاني عن التحالف أولاً، وبسبب قانون الانتخابات الجديد، الذي منح المحافظات الكردية الثلاث 35 مقعداً فقط.
3- صعود التيار الليبرالي الذي تمثله القائمة العراقية.
4- دور أكبر للكيانات السياسية الصغيرة.
إن ما يجدر الإشارة إليه، في هذا السياق، هو تآكل الائتلاف العراقي الموحد، من جهة، وبروز تكتل ليبرالي قوى، يضم طيفاً واسعاً، من الكتل والتيارات السياسية المتباينة المطامح والأهداف، والمشتركة في مشروع واحد، وهو المشروع الوطني العراقي، بعيداً عن الطروحات العرقية والمذهبية، التي أوشكت أن تعصف بالعراق كله، من جهة أخرى. والظاهرة الثانية هي نتيجة حتمية للظاهرة الأولى.
لقد أسهم الأداء المتواضع، للوزارة الانتقالية الحالية، برئاسة الدكتور الجعفري، وفشلها في تحسين الوضع الأمني، وفشلها في تحسين قطاع الخدمات، وفشلها في الحد من ظاهرة الفساد، وفشلها في معالجة مشكلة البطالة، وتكريسها للطقوس الدينية في جميع تفاصيل الحياة وبصبغة مذهبية، أسهم كل ذلك،
وإلى حد كبير، في انحسار التأييد لهذا الائتلاف. وقد خسر الائتلاف كثيراً بانسحاب العناصر الليبرالية المعدودة منه، تحدث بعضهم بمرارة، محملاً الائتلاف، المسؤولية عن السلبيات، التي برزت في الجمعية الوطنية، بسبب صعود أعضاء لا يمتلكون المؤهلات، التي تتيح لهم أن يكونوا ممثلين للشعب.
وخسر التحالف كذلك، بانسحاب شخصيات عشائرية معروفة منه مؤخراً. ويكثر الحديث في الأوساط العراقية، هذه الأيام، عن موقف جديد للمرجعيات الدينية، وهو تخليها عن دعم أي تحالف انتخابي، مما يجرد الائتلاف العراقي الموحد، من الغطاء الذي جاء به إلى الجمعية الوطنية.
إن دخول التيار الصدري إلى الائتلاف العراقي الموحد، لا يعد نصراً له، فالصدريون أصلاً موجودون في قائمة الائتلاف منذ البداية، ولكن على استحياء، وإن انضمامهم إليه بشكل علني ورسمي، لن يزيد من عدد الأصوات المتوقعة له.
كاتب عراقي