ها هو شهر رمضان قد ودّعنا، حاملا معه أيام صيامه، وليالي قيامه. ومن العجب أن أيام العمل فيه استمرّت في هذه السنة، حتى يوم التاسع والعشرين من شهر رمضان، رغم احتمالية أن يكون هذا اليوم هو آخر يوم من أيام الشهر الفضيل.

ومع أنني ممن لا يميلون إلى كثرة الإجازات، لأنها تأخذ من الوقت المخصص للعمل، وتؤجل إنجازه، وربما تؤثر على مستوى المنجَز، إلا أنني أرى للإجازات أبعادًا إيجابية يجب ألا نغفلها في خضمّ حماسنا للعمل، ولضرورة إنجازه، وعدم التقصير فيه.

منها على سبيل المثال أثر الإجازة في تجديد النشاط عند مختلف فئات المجتمع، من موظفين وعاملين وطلاب وغيرهم؛ فالإجازة لها مفعول السحر في النفوس، وأخذ إجازة ليوم واحد من العمل يؤدي غالبًا إلى رفع مستوى الأداء في الأيام التالية له، وقد يمتد ذلك الأثر إلى بضعة أسابيع.

كما أن لبعض المناسبات أو الأيام وضعها الخاص، مثل يوم التاسع والعشرين من شهر رمضان؛ فهذا الشهر بطبيعته شهر عمل وعبادة، ولكن الالتزام بالحضور وإنجاز الأعمال طوال أيام هذا الشهر الكريم، رغم ما يصحب لياليه من سهر قسري، يفرض نفسه على الكثيرين دون قصد أو رغبة فيه.

يؤدي إلى شيء من الإعياء والفتور وعدم القدرة على التركيز في العمل، ويتزايد الإحساس بكل هذا مع الاقتراب من نهاية الشهر، مما يجعل المرء في حاجة ماسّة إلى أخذ إجازة في آخر هذا الشهر تساعده على الراحة، وعلى إنجاز ما لم ينجزه للاستعداد لعيد الفطر.

ولعل الكثيرين منّا يذكرون الخبر الذي نشر في عدد من الصحف الرئيسية في الدولة قبل أربع سنوات تقريبًا (الخبر منشور في صحيفة البيان، على سبيل المثال، بتاريخ 29/ ذو القعدة/ 1422هـ، الموافق 12/2/2002م)، عن قرار مجلس الوزراء إقرار يوم التاسع والعشرين من رمضان إجازة رسمية للعاملين في الدولة، استعدادًا لاستقبال عيد الفطر المبارك.

وذلك بناء على توجيهات المرحوم بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان –طيّب الله ثراه-. وعلى ما يذكر كثير منّا فإنه قد تم تطبيق القرار على مدى سنتين متواليتين، أما في السنة التالية.

أي في رمضان (1425هـ، الذي وافق شهر أكتوبر/2004م) فلم نلتفت لتلك الإجازة، لأننا نُكِبنا في يوم التاسع عشر من ذلك الشهر بفقد الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان- رحمه الله- وكان يوم التاسع والعشرين منه بطبيعة الحال إجازة رسمية في البلاد حدادًا على فقيد الأمة العربية والإسلامية.

أما هذه السنة، وفي انتظارنا عيد الفطر وترقبنا لإعلان الإجازة الرسمية في البلاد فقد فوجئنا جميعا باستمرار العمل في مختلف المؤسسات والهيئات الحكومية والخاصة إلى يوم التاسع والعشرين من شهر رمضان الكريم، في حين كان الجميع يتوقع في ضوء ذلك القرار أن تبدأ الإجازة منذ صباح الثلاثاء، التاسع والعشرين من رمضان.

والسؤال الآن هو: كيف يستطيع أي منّا أن يهيئ نفسه ليوم العيد وهو ملزم بالذهاب إلى عمله حتى يوم التاسع والعشرين من شهر رمضان، والذي يُحتَمل أن يكون آخر يوم في الشهر؟ إن من بين هؤلاء العاملين الملزمين بالاستمرار في عملهم حتى آخر يوم في رمضان، ربّ الأسرة الذي يريد أن يذهب إلى السوق ليتبضّع،.

وليتم ما لم يتمكن من إتمامه خلال أيام الشهر الفضيل، التي يذهب جزء منها في العمل، وجزء في الصلاة والعبادة، وجزء في صلة الأرحام، وغير ذلك، مما يجبر الكثيرين منّا على تأجيل كل شيء إلى آخر ليلتين في الشهر لإتمام كل النواقص.

كما أن من بين هؤلاء العاملين ربّات بيوت من زوجات وأمّهات وأخوات يقع على عاتقهنّ عمل قد يوازي عمل الواحدة منهنّ خارج المنزل، ويتطلب منها جهدًا مماثلا، وربما زائدًا على جهدها خارج المنزل، وبالتالي فإن يومًا واحدًا لا يكفي لتنظيف البيت.

وإعداد أطباق الحلوى، وتجهيز ملابس الصغار، هذا إن كان رمضان ثلاثين يومًا، أما إن كان تسعة وعشرين يومًا فقط، فأمل العاملة في أن تحظى بيوم عيد كامل لا ينغصه أي نقص أو تقصير قد يتلاشى، ويتلاشى معه جزء من فرحة العيد وبهجته.

لقد كان لاستمرار العمل حتى يوم التاسع والعشرين من شهر رمضان آثار سلبية، وسأكتفي بذكر بعضها من واقع عملي كأستاذة جامعية، إذ ارتفعت نسبة الغياب بين الطالبات في الأسبوع الأخير من الشهر؛ فمنهن من ذهبت إلى العمرة.

ومنهن من لم تأتِ من إمارتها إلى السكن وفضّلت قضاء الأسبوع الأخير من رمضان بين أسرتها، أما الطالبات الموجودات فحاضرات بأجساد مرهقة، ووجوه شاحبة، وعيون محاطة بهالات سوداء، نتيجة استمرار السهر طوال الشهر، أما الأذهان والعقول فشبه غائبة، والتركيز لا وجود له.

إن هذه الحالة التي تصل إليها الطالبات في الأيام الأخيرة من الشهر تضع الأستاذ في حيرة إزاء ما يرى في معظم المجموعات التي يدخل عليها؛ فهل يشرح درسًا لطالبات يمثلن نصف عدد المجموعة، تحضر منهن أجساد أنهكها السهر وغابت عنها الأرواح، أو يؤجل درسه الذي سيضطر لإعادته مرة أخرى تجنبًا للتكرار؟

لقد اختارت بعض الطالبات الاستفادة من حقهن الطبيعي في الغياب، بقدر محدد لا يحرمهن من دخول امتحانات نهاية الفصل الدراسي، في مثل هذه الأيام التي يصعب عليهن فيها ترك أجواء البيت والأسرة والحضور إلى السكن الداخلي.

ومن ناحية أخرى، آثرن أن يختمن هذا الشهر الكريم وهن يشعرن بشيء من الراحة الجسدية والنفسية، كي يشعرن بفرحة العيد. فلماذا لا يتم حسم أمر كهذا، يعرف جميع المسؤولين عن اتخاذ القرار أن القرار لن يُنفَّذ كما هو، وأنه لا بد أن يساء تطبيقه.

أما كان من الأفضل إقرار يوم التاسع والعشرين إجازة رسمية، خصوصًا للمؤسسات التعليمية باختلاف مراحلها، حتى إن اضطررنا إلى استئناف الدراسة صباح الأحد (6/11/2005م)؟

أو ألم يكن من الممكن إعفاء هذه المؤسسات من العمل خلال الأسبوع الأخير من رمضان على أن يُستأنف العمل فيها مع بداية الأسبوع المقبل(5/11/2005م)؟

هذه مجرد أسئلة أثارها مستوى حضور الطالبات خلال الأسبوع المنصرم، ربما تجد من ينظر فيها في رمضان المقبل، أعاده الله علينا بالخير والبركات.

sunono@yahoo.com

جامعة الإمارات