عندما حاصر الصحافيون ديتليف ميليس بأسئلتهم المحرجة في مؤتمره الصحافي الثاني الذي عقده في مقر الأمم المتحدة حول شخصية (المستر إكس) التي وردت في تقريره الشهير أجاب »إنها مجرد مكالمة هاتفية".

هذه الإجابة تدين السيد ميليس نفسه، قبل سواه، لأن تقريره مليء بالمكالمات الهاتفية، ويستند باستنتاجاته وحرفياته على هذه المكالمات الهاتفية التي يعج بها التقرير، والتي على أساسها بدأت أميركا وفرنسا وبريطانيا تدبيج مشروع قانون ضد سوريا في مجلس الأمن.

فلو سلمنا جدلاً أن هذا الاتصال الهاتفي أو سواه هو مجرد اتصال لا يحمل قيمة جرمية له، فإن تقريره الذي قدمه للأمين العام للأمم المتحدة لا قيمة حقيقية له خصوصاً إذا علمنا أن القاعدة القانونية تعتبر أن كل اتصال هاتفي لا يصبح مشروعاً إلا إذا اعترف صاحب المكالمة المسجلة بها.

كما أن بإمكان التكنولوجيا الحديثة أن تصنع حواراً بين شخصين مفترضين أو أكثر.وهنا مكمن الخطر، وهو أن تلجأ إحدى دول المنطقة وخصوصاً إسرائيل التي لجأ إليها ميليس للاستعانة بخبرتها حسب قوله إلى مثل هذه المكيدة لا لشيء إلا للإيقاع بخصومها، أي سوريا.

وحلفائها في لبنان، فتكون بذلك قد حققت ما لم تستطع تحقيقه في حروبها على مدى ربع قرن وما لم تستطع أن تنجزه بالقرار 1559 الذي يتباهى وزير خارجيتها سيلفان شالوم بإنجازه مع جهازه الدبلوماسي في وزارته.

هنالك نظريات كثيرة قيلت وستقال عن تقرير ديتليف ميليس، البعض وصفه بالمقنع والبعض الآخر اعتبره مسيساً، ويحمل أغراضاً أكثر من المهمة التقنية التي جاء من أجلها، كل هذا صحيح، فالطرفان محقان فيما ذهبا إليه.

ولكن ميليس الذي دخل إلى بلد يضج بالخلافات السياسية التي يعتبرها اللبنانيون من مميزات فلكلورهم السياسي كالدلعونا وأبو الزولف والميجانا، ذهب بعيداً في مهمته عندما أخذ بوجهة نظر واحدة واعتمد على مسار واحد أوصله إلى طريق مسدود وجعله ضحية لشاهد كاذب كاد ان يطيح بمصداقيته.

لم يعتمد على ما يبدو ميليس القاعدة الذهبية أن الجميع متهمون حتى يثبت القانون براءتهم، بل ذهب في اتجاه واحد، الاتجاه الذي أطلقه البعض منذ اللحظة الأولى ولم يوسع مهمته في زوايا أخرى سواء أكانت محلية أو إقليمية.

أو خارجية لها مصلحة حقيقية بقلب كل الموازين على الساحة اللبنانية وفي منطقة الشرق الأوسط، لهذا جاءت استنتاجات تقريره معتمدة على الفرضيات أكثر من الاعتماد على المنهج البحثي التقني، وعندما كان يصل إلى طريق مسدود كان يذهب إلى الاحتمالات: لا أعتقد أو لا أظن أو لا أتخيل.

كثير من الخبراء والمحليين اللبنانيين وغالبيتهم من رجال الإعلام قالوا إن التقرير الذي انتظره الجميع لم يجدوا فيه جديداً وكانوا قد سمعوه في وسائل الإعلام.

ومعنى ذلك أن الجهد الذي بذله هذا القاضي الألماني لم يحقق غرضه، لهذا المطلوب فيما تبقى من المهلة التي جددها له الأمين العام للأمم المتحدة أن يتعلم من الأخطاء التي وقع فيها.

وأن يبدأ جولة جديدة لاستكمال مهمته وأن يقدم تقريراً مهنياً مدعوماً بالوقائع والقرائن والأدلة الدالة التي لا تسمح لأي كان أن يشكك بها وتقود إلى الحقيقة، هذه الحقيقة التي ينشدها كل الناس، حفاظاً على المستقبل وحسماً لكل جدل قد يظهر من هنا أو هناك.