ثمة طبيعة جدلية واضحة للتطور الحضاري العربي في السياق التاريخي الإسلامي، فمرحلة الصعود الكبير والممتد لنحو ستة قرون مرتبطة بنمو الإسلام ارتباطا كاملا وشاملا على النحو الذي يذكي باطمئنان القول إن الإسلام كان المصدر الأساسي لإلهام الحضارة العربية .
وسرها الكبير الذي أخذت في التراجع والتدهور مع تباعدها الزمنى عن لحظة انبثاقه، وذلك على العكس تماما من جدلية التطور في السياق الغربي حيث نمت الحضارة مع التباعد التاريخي عن مصدر إلهامها الديني.
فالمرحلة الحضارية التالية على نمو المسيحية في أوروبا كانت أقرب إلى الأفول في نهاية الحقبة الكلاسيكية وخاصة بعد سقوط روما، والى الانهيار طيلة العصور الوسطى ولنحو عشرة قرون كاملة.
قبل أن تبدأ الصحوة مع ميلاد العصر الحديث الذي شهد عودة المنحنى الحضاري إلى الصعود من النهضة إلى الإصلاح الديني وما تلاهما من عصور الأنوار، والثورة الصناعية، وصولا إلى الحداثة حيث ارتبطت النهضة .
ـ أو تأسست ـ باستبدال مصادر الإلهام من الدين المسيحي التقليدي "الكاثوليكي الأرثوزكسي في الأغلب" إلى العلم الحديث المكرس للعقلانية الموصولة بالتقاليد الكلاسيكية اليونانية واللاتينية.
وهو ما يبرر لدينا القول بعلاقة طردية إيجابية في السياق العربي الإسلامي، وأخرى سلبية في السياق الغربي المسيحي بين الدين والحضارة.
وهنا يمكن ملاحظة علاقة نقيضة بين التاريخ والحضارة لتلك التي كانت بين الدين والحضارة، فهي سلبية في السياق العربي، وإيجابية في السياق الغربي فيما يمكن تسميته بـقانون.
أو مفهوم "التزامن التاريخي الحضاري" الإيجابي في السياق الغربي والسلبي في السياق العربي حيث شهدت الحضارة العربية ذبولاً تاريخياً كبيراً بعد لحظتي انبثاقها، وإيناعها بقوة الروحانية الإسلامية المتوهجة وذلك عبر مراحل ثلاث مهمة:
الأولى: يمكن تسميتها بـ "مرحلة الركود الحضاري" الممتدة بين القرنين الرابع والسادس الهجريين والتى شهدت تنازع تيارين متناقضين على الثقافة العربية أولهما التيار العقلانى الإنسانى المنفتح والذى مثل امتداداً طبيعياً لمرحلة الازدهار في عصر التدوين والترجمة مستلهما لمقوماتها الفكرية والنفسية والسياسية الإيجابية.
وثانيهما التيار السلفي المتعصب والمنغلق الذي تنامى في مواجهة النزعات العقلية تجاوباً مع هواجس متنامية إزاء اختلاطها بالعقيدة الصافية، وظناً بأنها قد تقلل من نقائها.
وربما مع الميول السياسية الأكثر رجعية التي تبدت إرهاصاتها منذ عصر المعتصم العباسي وتنامت بمرور الزمن حيث ساد فقه رجعي متحالف مع نخبة الحكم القبلية ثم الرعوية المنتمية إلى غير جذور عربية والتي فرطت في العدل الذي هو أساس الملك.
وعاشت على الجباية، وقمعت الاجتهاد فذبل نور العلم ثم مشعل الحضارة، بعد أن وأدت الشورى على أيدي الفقهاء الذين برروا "السلطان الغشوم" بالخوف من "الفتنة التي قد تدوم" حتى جعلوا ستين عاماً طوالاً من سلطان جائر أهون على الأمة من "ليلة بلا سلطان".
والثانية: يمكن تسميتها بـ "التراجع الحضاري" وتبدأ على وجه التقريب منذ القرن السادس الهجري, الثالث عشر الميلادي بعد أن انتصر التيار التقليدي المتعصب على نقيضه العقلاني المتفتح تماماً وبات واضحاً أنه أخذ برقاب الثقافة العربية وتحكم كلية فيها ليس فقط في قلب الدولة العربية "العباسية".
كما كان في المرحلة السابقة، وإنما في أطرافها أيضاً وخاصة بعد رحيل ابن رشد آخر الفلاسفة العرب الكبار في هذا العصر وإحراق كتبه وهجرة ما بقي منها إلى أوروبا اللاتينية.
وحيث صار "العلم" في الثقافة العربية لفظة لا تنصرف إلا إلى معنى واحد هو العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم أما عدا ذلك فهو إما خارج عن مجال العلم إطلاقاً.
وإما هو معرفة لا تنفع ولا تستحق التحصيل، بل إن مثل هذه المعرفة الدخيلة التي لا تنفع قلما يقف أمرها عند هذا الحد السلبي إذ يغلب أن تتجاوزه إلى ضرر فعلي لأنها كثيراً ما تميل بحاملها إلى الاستخفاف بالدين ودراسته.
وبينما مهدت مرحلة الركود الحضاري للهزيمة العربية أمام الهجمة التترية، فإن مرحلة التراجع الحضاري قد ترسخت بهذه الهزيمة نفسها وما كرسته من اقتصاد الغزو وحكم العسكر، إذ برغم قصرها نسبياً "1219 – 1258" فإن آثارها كانت شديدة, سواء على المستوى العلمي.
حيث أدت لتدمير كل دور العلم والمكتبات في المراكز الحضارية التي كانت قد انتشرت في العصر العباسي في القاهرة وسمرقند، ودمشق وقرطبة فضلاً عن بغداد التي دمرت فيها دور العلم كاملة، أو على المستوى السياسي.
حيث مثل التتار نموذجاً رائقا ويكاد يكون معيارياً "للسلطة الرعوية"، فهم بدو رحل بالأساس يتميزون بالقوة والهمجية في آن واحد ولا يملكون ثقافة تذكر، كما أنهم يفتقدون إلى البناء الاقتصادي الذي يكفل إعاشتهم وتمدينهم.
واستقرارهم ولا يمارسون سوى "اقتصاد الغزو" حيث تكون القوة العسكرية واستخداماتها في السلب والنهب هي النشاط الوحيد والوسيلة المثلى لكسب العيش. ولقد استمرت صورة هذا النموذج الرعوي للسلطة السياسية على نحو ما في العصرين المملوكي ثم العثماني دون ممانعة عربية في البلاد التي خضعت لسلطانهما.
وفيما يبدو أن المجتمع العربي كان قد تعود عليه فلم يسعى إلى مقاومته بل دخل معه إلى عصر طويل من التراجع والضعف والتخلف استمر حتى بدايات أو محاولات النهضة العربية الثانية في مطالع القرن التاسع عشر.
أما ثالثة هذه المراحل فهي المستمرة حتى الآن ويمكن تسميتها بـ "النهضة المجهضة" الممتدة لنحو القرنين وتتمثل أهم ملامحها في الوعي بحقيقة "التخلف الحضاري العربي" قياساً إلى الآخر الغربي.
وذلك على العكس من المرحلتين الأوليين حيث ساد وعي التفوق عليه ومن ثم عدم الاحتياج إليه في المرحلة الأولى، والتكافؤ معه ومن ثم القدرة على إهماله في الثانية.
وكان المطلب الضروري المترتب على الوعي بالتخلف يتمثل في ضرورة النهوض عبر كيفيات مختلفة تمت صياغتها جميعاً في تيارات فكرية لا تزال تتجادل حول.
أو ربما، تتخاطف الثقافة العربية المعاصرة على أساس موقف معين من الغرب المتقدم، والطريق الذي نسلكه حياله سواء: قبولاً مسايراً له إلى غير حدود كما يذهب التيار الحداثي، أو: قبولاً نقدياً له تكيفاً مع ذلك الانتقال الكبير الذي أحدثه في رؤية الوجود والانعطاف الأكبر الذي قاد إليه حركة التاريخ كما يذهب التيار التوفيقي، أو: رفضاً قطعياً له ومحاولة للانتقام منه لما فرضه على مجتمعاتنا من تحديات وما رماها به من موجات استعمارية متلاحقة أوروبية، ثم صهيونية.
وصولاً إلى موجة الهيمنة الامبراطورية التي تمارسها الولايات المتحدة وريثة المركزية الأوروبية كحيوية جديدة للغرب وقد أغراها ضعفنا فأخذت ترمينا بمشروعاتها للتغيير والتهذيب والإصلاح.
كاتب مصري