مع أن الواقعية السياسية تنطوي على اختيارات بغيضة وكريهة، إلا أنها لازمة في أحيان كثيرة خاصة في ضوء الظرف التاريخي الدقيق الذي تعيشه أمتنا الإسلامية ومن ثم ينبغي على السياسيين فيها أن يعتمدوا لغة تقوم على فقه الاستضعاف.
ليست هذه دعوة إلى الاستسلام لواقع رديء نعيشه بقدر ما هي نوع من مواجهة هذا الواقع الحافل بتشابكات وموازين قوى مختلفة عالمياً.
ومن ثم فإن الممارسة السياسية المستندة إلى قراءة موضوعية لواقعنا بحقائقه ومكوناته، وعناصر الضعف والقوة فيه ووضعها في السياق الاستراتيجي، تكاد تكون أولى وظائف السياسي ومن بديهيات عمله.
بناء عليه فإن التصريح الذي أدلى به الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عن وجوب محو إسرائيل من الوجود لم يصدر عن نجاد السياسي وإنما عن نجاد المواطن البسيط الذي يعبر عما تجيش به صدور أغلب مواطني الدول العربية والإسلامية.
ولا أحسب أن الرجل ابتغى به اتخاذ موقف بطولي يرضي مشاعر غاضبة للشارع الإسلامي أو سعى به لكسب شعبية يفتقدها أغلب السياسيين المسلمين، بل أراه عبّر ببساطة وتلقائية عن مشاعر واحد من مليار مسلم.
وخانه التوفيق إذ لم ينظر إلى نفسه كرئيس دولة لها وزنها في عالمنا الإسلامي، وأن هناك من يحسب عليه أنفاسه، فما بالنا بخطابه أمام مؤتمر وفي حضور وسائل الإعلام.
قد يكون ما جرى نتيجة نسيان أو غفله أو انسياق وراء مشاعر عاطفية غاضبة يذكيها الغرب في نفوسنا بإعلانه عداوة سافرة لنا على نحو ما قالته مارجريت تاتشر عام 1990 من أن القوات البريطانية ينبغي أن تظل على حالها دون تخفيض، لأن أوروبا قد تحتاج إليها لمواجهة نهوض إسلامي محتمل.
وعلى نحو ما قاله المؤرخ الشهير ول ديورانت من أن الولايات المتحدة ينبغي عليها أن تقوم بحماية الحضارة الغربية من الحظر على نحو ما فعلت بريطانيا العظمى بامتياز خلال القرن التاسع. وبعد سبتمبر كرَّت مسبحة التصريحات المعادية للعالم الإسلامي على نحو غير مسبوق.
لكن غفلة أو نسيان مواطن عادي أو كاتب أو حتى زعيم سياسي خارج السلطة ليست كغفلة رئيس في الحكم، فغفلة الأخير يمكن إدراجها ضمن مقولة شهيرة للعلاّمة المصرية محمد محمود شاكر نصها "لا أعلم نكبة نزلت بالشرق العربي والإسلامي بلداً بلداً كانت أفحش أثراً وأشأم عاقبة من نكبة النسيان والغفلة".
السياسي ليس مواطناً عادياً وليس كاتباً ولا مفكراً وحتى من يجمع بين السياسة والفكر يبرز للناس كيف أن ممارسته السياسية في واد وأفكاره في واد آخر، فجيبون صاحب كتاب اضمحلال وسقوط الامبراطورية الرومانية، وقف موقفاً استعمارياً قاسياً ضد استقلال أميركا وتوكفيل المؤرخ النبيه.
وأهم مروج للديمقراطية الأميركية أيد استمرار احتلال الجزائر ووقف ضد نيلها الحرية، وابن خلدون صاحب كتاب (البربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)، فشل فشلاً ذريعاً في المناصب التي تولاها، لأنه غلب القيم المثالية على الواقعية السياسية.
ليس معنى الواقعية كما يروج البعض ويمارس شطر من السياسيين العرب أن تؤمن بحق المستعمرين في تدمير حياتك ليسعدوا بحياتهم، ولا أن تعلو قيمهم لتنهار قيمك، أو أن تستسلم لمحاولة إفقارك كي يغتني الغرب الغازي.
وإنما واقعية لا تتناقض مع بديهيات العقل والمصلحة، ويغلب عليها شغف الإنسان وسعيه الدؤوب للحصول على القوة سواء كانت علمية أو اقتصادية أو سياسية دون اصطدام بالقوى التي تسير العالم وتتحكم في مصيره، على نحو ما فعلته الصين كنموذج في علاقتها بالقوى التي تحيطها والعالم الغربي.
كان طبيعياً أن يتبرأ أقرب حلفاء إيران من تصريح كهذا وأن تقوم قائمة العالم ولا تقعد، وأن يستنكف الجميع بمن فيهم الفلسطينيون أصحاب الحق والقوة الأخلاقية الذين يحنون بينهم وبين أنفسهم إلى تحقق حلم زوال إسرائيل.. لكن الزعماء يجب أن يتعلموا من التاريخ، فالأخير هو السياسة بعد أن تخف درجة حرارتها كما يقولون.
majdishendi@hotmail.com