استغل كثير من دعاة اللاعنف والمقاومة المدنية من عرب وعجم الذكرى السنوية السادسة لاندلاع انتفاضة الأقصى لتجديد مواعظهم للفلسطينيين بالتخلي عن السلاح.
وفي المناسبة أكد هؤلاء إصرارهم على أن »عسكرة» الإنتفاضة الثانية أدت الى إعوجاج مسارها وضبابية مصيرها. وهم نسبوا الى هذه الظاهرة غير السوية بنظرهم، كل المثالب التي أحاطت بحركة النضال الفلسطيني، محلياً وإقليمياً ودولياً خلال السنوات الخمس الأخيرة!
وعلى ذلك، صارت "العسكرة" مسؤولة عن الولوغ الإسرائيلي في الدم الفلسطيني وإرهاب الدولة الذي يمارس على مدار الساعة في الضفة وغزة وما عليهما من بشر وشجر وحجر بلا تمييز.. وعن ميوعة ردات الفعل على هذه البشاعات من لدن الرأي العام الإسرائيلي والدولي.. وعن تراجع القضية الفلسطينية الى مرتبة متأخرة لدى شعوب العالم، مقارنة بالقضية العراقية مثلا.
وعمق تكوين صور مزيفة للصراع في فلسطين يأخذ فيها الإسرائيليون مكان الضحية بدلا من الفلسطينيين، ويظهر الصراع على أنه بين ندين. وعن نجاح الدبلوماسية والإعلام الإسرائيليين في الترويج لهذه الصور ودمغ المقاومة الفلسطينية بالإرهاب.والحال، أنه لا جديد في هذه »اللائحة الإتهامية"..
فهي مرفوعة ضد ما يدعى بالعسكرة وأنصارها منذ فترة، كما أن المذكرات والشروح المضادة لها بالجملة والقطاعي مطروحة ومتاحة في الأدبيات ذات الصلة، والذي يستدعي الانتباه حقا هو تجاهل اللاعنفيين لهذه المذكرات والشروح، التي تزعم أنها تنطوي موضوعيا على دفوع تستحق العناية.
وهذا موقف يبدو مثيرا للدهشة، ولا يمكن تفسيره منطقياً سوى بأنهم، أي اللاعنفيين، باتوا أقرب الى »الدوجمائية« أو الجمود النظري، الذي يسوقهم الى تقديس معتقدهم أو منهجهم بغض النظر عن الزمان والمكان ومعطيات الحالة موضع السخونة والاهتمام.
هذا، وإلا كيف نفهم المقارنة أو المحاكاة التي يجرونها، باستسهال ملحوظ في خطابهم، بين موروث المقاومة باللاعنف في كل من الهند وجنوب أفريقيا وشرق أوروبا وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة!، ثم يعرضون لصلاحيتها في المثل الفلسطيني، غير ناظرين لما بين هذه الحالات من فروق ولا الى ما يميز هذا المثل الأخير عنها جميعا؟!
كثير جدا أن تنسب كافة السلبيات المذكورة أعلاه، الى مجرد استخدام السلاح من جانب شعب محتل ضد السلطة التي تحتله وتميز ضده عنصرياً لعشرات السنين. مثل هذا التنسيب (أو هذه الإحالة) يحرفنا عن التدبر في محددات .
وعناصر أو مدخلات أخرى، كانت ومازالت شديدة الأهمية في منع الحركة الوطنية من تحقيق أهدافها. إن وسم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، بالقول أو بالفعل، أسبق زمنياً من إبداع صواريخ القسام أو الياسين ومن يوم الحادي عشر من سبتمبر وما تلاه من مستجدات.
للإنصاف فإن مواقف الرأي العام الدولي من القضية الفلسطينية ليست بهذه الدرجة من السوء والإزورار الذي يتحدث عنه هؤلاء القوم. لنتذكر مثلاً أن إسرائيل، لا الفصائل الفلسطينية المسلحة، هي التي وصفت لدى 60 في المئة من الأوروبيين بالخطر على السلم والأمن "الدوليين".
وقد اتخذت محكمة العدل الدولية فتواها الشهيرة، بحيثياتها بالغة الدلالة، بشأن جدار الفصل العنصري الإستيطاني، الإسرائيلي، وصدقت الجمعية العامة على ذلك، بمعزل عن مسألة »العسكرة« ومناظراتها.
كذلك فإن "عسكرة" الإنتفاضة ليست هي التي أقعدت النظام العربي عن إسناد المنتفضين، وألزمته جانب المتفرجين أو الوسطاء. ولا هي التي أعجزت سواء العرب عن التفاعل الإيجابي مع أبناء قوميتهم وملتهم وبضعة منهم في فلسطين المحتلة.
وساقت الرأي العام العربي الى الغضب السلبي والقناعة بالإنفعال عن بعد بما يجري في هذه الرحاب، ولا هي التي هزت "معسكر السلام" الإسرائيلي، المعطوب هيكلياً والمصاب بالعوار السياسي والأخلاقي منذ ما قبل الإنتفاضة و"عسكرتها"..
وللتذكرة، فإن إيهود باراك، زعيم هذا المعسكر ذات حين كان أول من بادر الى فتح النيران على إنتفاضة »الطناجر والحناجر«، ليس في الضفة وغزة فقط، وإنما ضد فلسطينيي 1948 أيضا، مواطني دولته.. حدث ذلك ولما تكن الانتفاضة قد تعسكرت بعد!
لا ينبغي في كل حال تحميل ظاهرة "العسكرة" أوزار العاهات المزمنة، المتوطنة، في البيئة المحيطة بالقضية الفلسطينية، وطنياً وعربياً وإسرائيلياً ودولياً.. فهذا إبتسار للتحليل وتضييق لنطاق الرؤية.
على أنه حتى لو ضربنا صفحاً عن هذه النقائص، مفترضين حكمة الأخذ بالنضال المدني وأنماطه وحدها، فإن هذا يستلزم حتماً النظر في معطيات الحالة الفلسطينية، ومدى إمكانية تطبيق هذه الأنماط، بعضها أو كلها، عليها كحالة متعينة.
الوضع اللوجستي راهناً، غداة المستجدات اللاحقة لإتفاق أوسلو وتوابعه، لا يسمح للفلسطينيين بغير صراخ الحناجر وطرقعة الطناجر بعيداً بمسافات كبيرة، تفصلهم عن رموز الإحتلال، سلطاته وقواته ومستوطنيه.
ضد من يمارس الفلسطينيون أنماط الإضراب والعصيان، بعد أن باتت تجمعاتهم ومناحي حياتهم بمنأى عن هذه الرموز ؟! أين هو التمازج والاختلاط الفلسطيني بالمحتلين، الذي يسهل حتى إلقاء الحجارة من الأولين على الأخيرين؟
أين هي المصالح الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية الإسرائيلية الكبرى، التي إن قاطعها الفلسطينيون بالضفة والقدس، أصيبت بعطب جوهري لاتنجو منه إسرائيل بما يجعلها تعيد النظر في إحتلال هذه المناطق.
وسحب مستوطنيها منها؟! أليست مفارقة تاريخية مثيرة للأسى أن يعتمد الفلسطينيون في معاشهم ومختلف شؤونهم الحياتية وبناهم التحتية على ما يتفضل به المحتلون؟
ألا يلحظ أصحابنا أن إسرائيل تكاد تكون في وضعية، تملك فيها حصار الفلسطينيين ومقاطعتهم وإيلامهم وعض بطونهم وممارسة سياسات المنح والمنع بحقهم على صعد تعز عن الحصر، فيما لا يستطيع الفلسطينيون فعل العكس؟
في إثارة مثل هذه الأسئلة والإجابة عنها، يقع الفارق بين معطيات وزمن تجربتي إنتفاضة الثمانينات والانتفاضة الثانية. ثم إنه قبل ذلك وبعده، من قال إن الفلسطينيين عزفوا بالكلية عن الأنماط الممكنة من اللاعنف في إطار الظروف القائمة على مدار السنوات الأربع الماضية؟
الشاهد موضوعيا ومنطقيا، أن التحدي الحقيقي المنتصب في وجه الموقنين بنجاعة المقاومة المدنية، عوضا عن "العسكرة"، في واقع النموذج الفلسطيني.
يتعلق بتفعيل البعدين الإقليمي والدولي لهذه المقاومة. إن وجع إسرائيل والإضرار بها من مدخل المقاومة المدنية وأنماطها، لن يتأتى بقوة الفعل الفلسطيني وحده.
فهذا الفعل يعاني من الهشاشة والوهن، بسبب خصوصية الإعتمادية الفلسطينية على إسرائيل التي تراكمت عن الاحتلال المديد. والرأي أنه لابد من عولمة هذا المدخل على غرار ما جرى مع جنوب إفريقيا ذات حين.. إن حدث ذلك فسنكون بصدد مقاومة لا عنفية مبشرة حقا.
٭ كاتب وأكاديمي فلسطيني