عندما كنا نعمل على إنشاء الاتحاد النسائي العام للدولة في بداية السبعينات الميلادية من القرن الماضي كانت إمارة أبوظبي، وهي الداعية لإنشاء الاتحاد آنذاك بتوجيه خاص من المغفور له الشيخ زايد وبرعاية خاصة أيضا من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، تحتضن اجتماعاتنا.

وفي إحدى الأمسيات، وبعد انتهائنا من أحد الاجتماعات، كنا، نحن الممثلين للجمعيات النسائية في الدولة، نجلس في مجلس الشيخة فاطمة نرد على أسئلة الصحافيات ونتبادل أحاديث عامة. ثم حدثت جلبة صغيرة وتحركت بعض النسوة نحو الباب تتقدمهن الشيخة فاطمة.

وحينها دخل علينا المغفور له الشيخ زايد واتخذ مجلسه بيننا. جميعنا تقريباً أخذتنا المفاجأة، إذ لم نكن نتوقع دخلته تلك، ولا جلوسه معنا في ذلك الوقت. لكن تلقائيته في السلام وسلاسة الحديث الذي بادرنا به أنهت سريعا حالة الارتباك التي شعر بها معظمنا، فبدأنا نتبادل معه أطراف الحديث.

وقد بدأ الشيخ زايد حديثه عن الدور المناط بالمرأة في الإمارات وما هو متوقع منها من المشاركة في بناء الدولة، والتي كانت وقتها في بداية عهدها. كما ركز على أهمية التعليم للنساء.

وعلى أهمية مشاركة المرأة في كل مجالات الحياة. ومن بين الأشياء التي حدثنا فيها المغفور له بإذن الله في ذلك اللقاء مخاوف بعض الحكام من التحديات الكبيرة التي ستواجهها الدولة بسبب حداثتها وبسبب قلة سكانها ونسب تعليمهم، وأيضا حاجتها للكثير من الخدمات.

ومنها على سبيل المثال الحاجة إلى بناء جيش قادر على حماية كل ذلك، فقال زايد إنه أجابهم بأن الشباب موجودون وأن حتى الجيش الذي نحتاجه سيشكلونه، وإن لم يوجد العدد الكافي من الشباب، كما قال، فهناك النساء، وسنشركهن حتى في الجيش.

وهنا يتجلى بشكل عام الدور الذي لعبه زايد في إعطاء المرأة حق التعليم في الدولة وفي دفعها للمشاركة في الحياة العامة. لأن زايد ثمن التعليم كما ثمن حق مواطنيه في الحصول عليه. وهذا التثمين للتعليم نراه متجليا بالأخص في أقرب الناس إليه.

ففي قبيلة زايد نلمس الحرص على التعلم، ليس فقط بين الرجال، ولكن بين النساء أيضا، فمنهن من وصلن إلى درجات عالية فيه. لأنه غرس فيهن وشجعهن على محبة العلم وعلى التخلق بآدابه.

وجدير بالذكر أن زايد، وبالذات في تشجيعه لعائلته في أن يشارك أفرادها، حتى النساء منهم، في الدخول في الحياة العامة والمشاركة في النشاطات الاجتماعية، قد غير كثيرا من واقع الأمور في بلدنا، وبخاصة تلك المتعلقة بمشاركة المرأة في الحياة العامة.

لقد كان الرجال قبل حكم زايد، وبخاصة ممن هم في مراكز الحكم والنفوذ، لتخرج من ذكر نسائهم في الأماكن العامة. وكما هو معروف عندنا في السابق، اسماء النساء من العائلات ذات النفوذ لا يرد ذكرها في المحافل العامة، على الرغم مما هو معروف عن مشاركة الكثير منهن في السلطة.

وفي الشأن العام، إلا أن هذا الأمر لا يتم الاعتراف به والحديث حوله بشكل واسع، نظرا للعزل الذي كان موجودا عليهن بحكم وجود بعض التقاليد التي فرضها ذلك الوقت.

لكن زايد، بحكم مكانته، غير من هذا الأمر بما أعطاه للشيخة فاطمة، أولا، وللنساء بشكل عام، من حق التواجد في المكان العام وحق المشاركة في بناء الدولة. لقد كسر زايد القاعدة وبدأت أسماء النساء تظهر حتى في الصحف.

وهو شئ لم يعتد عليه الناس في بلدنا، لكن زايد غيّر هذا الواقع حين فرض التعامل مع المرأة واحترام مشاركتها ووجودها في بلده. وذلك في اعتقادي عائد للروح البدوية الأصيلة والصافية التي كان يتعامل بها وتتجلى في بساطة تعامله وفي عمقه في آن معا.

ففي التقاليد البدوية الأصيلة تشترك المرأة في كل أمور الحياة، أو لم تكن تلك طبيعتها في الصحراء؟ لقد أعاد زايد ورسخ سلوكيات كان يعرفها في نفسه وفي أهله وحافظ عليها من الاندثار.

كما أن تعامل زايد الذي يحمل دلائل الاحترام للمرأة نراه أيضا في الجانب المرهف من شخصيته، جانب اهتمامه بالشعر، ديوان العرب وسمة حضارتهم الأنصع. فزايد له من القصيد ما كان موجها في تحاوره لشاعرات من المنطقة.

ومنهن تحديدا شمس شاعرات العرب، فتاة العرب، كما أسماها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد. وفي هذا دليل آخر على المكانة التي حملها زايد للمرأة وعززها في الكثير من سلوكياته.

يقال إن الناس يتطبعون إلى درجة كبيرة بخصائص المنطقة التي يسكنونها ويعيشون فيها. فالناس في الجبال، كما يقال، تكون من سماتهم الصلابة، والتي تصل حد القسوة والجلافة أحيانا.

والساكنون على البحار تكون لهم قدرة أكبر من الساكنين البعيدين عنها في التعامل مع الغرباء والاستنئاس بهم ومعهم، أما أهل الصحراء فلهم مثل رحابتها في الاحتواء وفي الهدوء وفي التقبل.

وزايد نشأ في بيئة لها خصائص جميلة. لقد نشأ في العين. والعين منطقة كان يقصدها الكثيرون من أهل هذه البلد، بالأخص في فترة الصيف، لأنها جمعت بين خصائص عديدة، بعضها ما استمدت منه اسمها، الا وهي عيون الماء.

والتي تروي قاصديها كما تنزل على أجسادهم سلسبيلا باردا يطفئ حر الصيف اللاذع وقسوته. وواحات العين ظل وعطاء. وهكذا كانت خصائص زايد، الظل والعطاء. فكل من عرفه عرف فيه أنه رجل شهم وكريم ومعطاء، وأن قلبه برحابة صحرائه.

لقد بكاك شعبك يازايد في رحيلك كما لم يبك شعب حاكما، فأنت كنت لهم أبا وأخا وقائدا، ورجلا قل مثله في الزمن العربي المتضعضع. وستبقى في قلوب الجميع، يرفعون يدهم بالدعاء لك ما بقيت العلامات والأشخاص الذين تربوا على حبك وحب البلد الذي أسهمت بشكل كبير في شعورهم بعزته.

فعسى أن تكون لك جنات الخلد بمثل السعة التي حملها شعبك لك في قلبه، وعسى أن لا تغيب شمس العزة عن تراب وطأته ورعته قدماك. وعسى أن تدوم للناس كل الأبنية الجميلة التي صنعتها لهم، ومنها بناء الإحساس بالفخر بأنهم ينتمون لتاريخ ولتراث جدير بأن يبجل. لك المجد يازايد على الدوام، ولأرضك الأمان.

hessahlootah@yahoo.com