يتحدث القادة الغربيون، ومنذ سنوات، عن ضرورة الإصلاح في الشرق الأوسط الكبير، عن طريق إقناع قادته بتبني أساليب العمل الديمقراطي، فالأميركيون يرون في الإصلاح مفتاحاً للقضاء على الإرهاب، ويراه الأوروبيون ضرورياً لوقف تدفق الأعداد الكبيرة من المهاجرين إلى دولهم، الذين أصبحوا عبئاً على البلدان التي تمنحهم حقوق اللجوء السياسي أو اللجوء الإنساني.
والشرق الأوسط الكبير هذا، غير الشرق الأوسط الجغرافي الذي يتكون من ثمانية عشر دولة، فعدد دوله يبلغ ستاً وعشرين دولة، وهو يضم جميع الدول العربية، إضافة إلى إسرائيل و تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان. وقد أخرجت منه قبرص لإنضمام شقها اليوناني إلى الإتحاد الأوروبي، ولعدم الاعتراف بشقها التركي.
تبلور هذا الاهتمام، بالشرق الأوسط الديمقراطي، في المحاور الأربعة التي أعلنها وزير الخارجية الأميركية السابق، كولن باول، تحت عنوان مبادرة الشراكة الشرق أوسطية والتي نشرتها صحيفة الحياة، بعددها الصادر في التاسع عشر من فبراير في عام 2004.
وهذه المحاور هي: التداول السلمي للسلطة من خلال صناديق الاقتراع، الأخذ بمبدأ الاقتصاد الحر، رفع الحيف عن المرأة ومنحها الحقوق المدنية، ضمان حق التعليم للجميع، ويتفرع عن هذه المحاور الرئيسية، محاور أخرى ثانوية.
وتتردد في الساحة السياسية الغربية، الكثير من الآراء والمقترحات، حول آلية تنفيذ هذا المشروع، إلا أن أحداً لم يتحدث عن سقف زمني له، ومن ضمن الآليات التي تقترح للتنفيذ:
1- زيادة الدعم للنهج الديمقراطي في المنطقة.
2- خلق سياق إقليمي يساعد على التقدم في مجال توسيع الممارسات الديمقراطية.
3- إعادة تنظيم المؤسسات الغربية ذات العلاقة، وتأهيلها للتعامل بطرائق أخرى، مع دول وشعوب الشرق الأوسط، من أجل تعزيز سياسة إرساء الديمقراطية.
4- خلق جيل جديد من الدبلوماسيين، وبناة الديمقراطية، الذين يعرفون المنطقة جيداً، ويتكلمون لغتها، والتأكد من أن الحكومات المعنية تديم إلتزاماتها على الأمد الطويل.
5- العمل على عزل الدول غير الديمقراطية سياسياً، وعدم قيام، أي مسؤول غربي كبير، بزيارة أي بلد شرق أوسطي، ما لم تكن حقوق الإنسان، في ذلك البلد مصانة.
6- زيادة الدعم، للمنظمات غير الحكومية في هذه الدول، ودعم الناشطين في حركة المجتمع المدني.
7- العمل من أجل إستكمال السلم بين إسرائيل والفلسطينيين.
8- مساعدة تركيا في التحول التام نحو الديمقراطية، وتأهيلها لعضوية الإتحاد الأوروبي.
9- تصعيد الضغوطات على الحكومة الإيرانية، من أجل السيطرة على سياسة التسلح، وإبعادها عن التدخل في الشؤون العراقية.
10- إنشاء منظمة عبر الأطلسي لدعم الديمقراطية في الشرق الأوسط، تعمل هذه المنظمة على تنسيق النشاطات في المنطقة، وتقوم الولايات المتحدة والدول الأوروبية بتمويل نشاطاتها.
11- العمل مع الدول العربية المعتدلة على خلق نظام أمن إقليمي، من أجل الشرق الأوسط الكبير، على ضوء نموذج الأمن والتعاون في أوروبا.
12- توظيف السياسات في مجال المساعدات والتجارة، لتشجيع الحكومات، على إجراء التحولات نحو الديمقراطية.
13- قيام حلف الأطلسي بتأمين قدرات حفظ السلام الضرورية لإعادة إعمار أفغانستان والعراق.
ويقبل القادة الغربيون، مبدأ العمل مع حكومات شرق أوسطية، مستقرة ومسؤولة، كشركاء محليين، من أجل خلق ديمقراطيات مسالمة، لا تنزع للحروب، وذلك لقطع الطريق على الثورات المسلحة أو الإنقلابات العسكرية، التي تعكر صفو الاستقرار في هذه المنطقة المهمة من العالم.
لم يأت هذا الطرح، من فراغ، فقد توصل مخططو السياسات، في الغرب، إلى أن كسب الحرب ضد الإرهاب، يحتاج إلى وضع استراتيجية للهجوم وأخرى للدفاع. ويأتي هذا المشروع تنفيذاً لاستراتيجية الهجوم، فالأجواء في الدول الديمقراطية، لا تساعد على انتعاش الإرهاب من جهة، كما تتضاءل الفرص أمام الصراعات المسلحة، من جهة أخرى، فهذه الدول تعمل على حل أية مشكلة، بطرائق سلمية.
فالسلم الحقيقي، في المنطقة، بحاجة إلى بناء علاقات جديدة بين الحكام والمحكومين، وبناء علاقات جديدة بين الدول كذلك. أما استراتيجية الدفاع، فتبنى على تعزيز مناعة الولايات المتحدة وأوروبا ضد الهجمات الإرهابية.
لا تعبر، هذه الطروحات، في الحقيقة، عن تغير في العقيدة السياسية للمؤسسات الحاكمة في الولايات المتحدة و أوروبا. فالعقيدة كانت ولا تزال، تنبثق عن المصالح الاقتصادية لهذه الدول، في الشرق الأوسط.
فالإصلاح وفق الرؤى الغربية الجديدة، يرسم طرقاً أكثر أمناً، لاستمرار تدفق النفط إلى مواقع الاستهلاك، ويعمل على خلق مؤسسات محلية، أكثر تفهماً لمعالم العصر، الذي ترسم الولايات المتحدة معالمه، وأكثر رغبة في الانخراط في السوق العالمية، التي يجري توحيدها، لصالح كبرى الشركات المتعددة الجنسية، التي تحكم قبضتها على الاقتصاد العالمي.
إلا أن هنالك خلافات عميقة بين الولايات المتحدة والأوروبيين، سواء في الأهداف أو في الأساليب المتبعة، لصناعة هذا الشرق الأوسط الجديد. وليس أدل على ذلك، من الخلاف الشديد، الذي نشب بينهما حول شرعية شن الحرب على العراق واحتلاله.
ورغم الخطاب البليغ، عن ضرورة الإصلاح الديمقراطي، في الشرق الأوسط، إلا أن البرنامج المطروح ينقصه الكثير من الواقعية، كي يؤخذ على محمل الجد. إذ أن استراتيجية عملية، لنشر وتوسيع الممارسات الديمقراطية، في الشرق الأوسط، تستلزم بالدرجة الأولى إشراك دوله في التخطيط لذلك، فهي مغيبة عن أجواء الحوار، وكأن الشرق الأوسط يقع في عالم آخر.
كما يستلزم إشراك منظمة الأمم المتحدة، وهي الأكثر خبرة، في التعامل مع مختلف الدول، خاصة وأن دخولها لا يسبب حساسية، تسهم في خدش السيادة الوطنية لدول المنطقة، الأعضاء في المنظمة، والموقعين على ميثاقها.
إن جوهر الديمقراطية يكمن في الحوار السلمي المتأني الطويل النفس، الخالي من الوعيد، لترويج أجندة التحول السياسي، نحو الديمقراطية، وكسب قلوب وعقول الملايين من الناس البسطاء في المنطقة.
إلا أن ما شهدناه، حتى الآن، عكس ذلك. فالأجواء التي تخيم على المنطقة، متوترة للغاية، ومشبعة بالوعيد والتهديد، بصدور قرارات ضد هذه الدولة أو تلك. إن ذلك لا يشجع على الثقة بالنوايا التي تكمن خلف هذا المشروع، الذي قد يؤدي إلى سيادة الفوضى في المنطقة، وتقسيم دوله إلى دويلات ضعيفة.
* كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae