"زيارة جديدة للتاريخ": عنوان كتاب للأستاذ محمد حسنين هيكل أودع فيه ذكريات لقاءات سبق وجمعته بشخصيات تاريخية بارزة ومضى عليها سنوات طويلة بلغت أحيانا ربع قرن قد يقل وقد يزيد وكان من هذه الشخصيات أعلام من طراز المارشال مونت غمري أو البروفيسور أينشتاين أو الزعيم جواهر لال نهرو.
الولايات المتحدة شهدت مؤخرا »زيارة جديدة للتاريخ« لكن ذكرياتها لم تزد على عشر سنوات فقط هي تلك الفاصلة بين منتصف أكتوبر في عامي 1995 و2005.
في التاريخ الأول عايش كاتب السطور عن كثب وقائع أول مسيرة المليون رجل التي شهدتها الساحة الوطنية »ناشونال مول« في العاصمة الأميركية واشنطن..
وفي التاريخ الثاني الذي وافى موعده يوم 16 أكتوبر الحالي عادت العاصمة الأميركية لتشهد الواقعة الثانية لمسيرة المليون وقد فصلت بينهما – كما اسلفنا – سنوات عقد كامل دخل خلاله العالم سنوات الألفية الجديدة.
واستشرت خلاله نزعات الهيمنة الأميركية على مقاليد الأمور والى درجة وصلت الى حالة من النزوع الامبريالي – الإمبراطوري وهي حالة يتجلى فيها "غرور القوة" الذي سبق وحذر منها ،مستخدما نفس التعبير، السياسي الأميركي الراحل السناتور ويليام فولبرايت رئيس لجنة العلاقات الخارجية السابق في مجلس الشيوخ بالكونجرس.
ثم عاد ليحذر منها واحد من ثقات المفكرين المعاصرين هو البروفيسور »جوزيف ناي« أستاذ علم السياسة وأصول الحكم بجامعة هارفارد في كتابه الشهير الذي حمل عنوان »تناقض الإمبراطورية:
أميركا لا تستطيع إنجاز ما تريد بمفردها«.. في نفس سنوات العقد الفاصل بين المسيرتين طرأت تغيرات جذرية وخطيرة على توجهات السياسة الأميركية التي تحولت من يد الديمقراطيين .
وكان يقودهم رئيس مثقف هو بيل كلينتون الى أيادي الجمهوريين الذين تقودهم عصبة المحافظين الجدد الذين يصدرون عن نفس نزعة الامبراطورية التي تقصد الى بسط الهيمنة على خريطة عالمنا دون أن تتورع عن استخدام الآلة العسكرية الجبارة المتاحة لصانع القرار الأميركي، دع عنك أن جاءتها مصادفة تاريخية غير سعيدة بالمرة حملت عنوان آفة الإرهاب.
دعوة لويس فرقان
والحق أن الذين التأم عقدهم في واشنطن عند منتصف التسعينيات وجاءوا بناء على دعوة من الزعيم الأسود »لويس فرقان" .
وهو أيضا زعيم جماعة "أمة الإسلام" إنما اجتمعوا إنطلاقا من أجندة الأفرو- أميركيين في الولايات المتحدة التي تحمل بنودا من أهمها ضرورة إزالة الظلم الاجتماعي الذي يتعرض له السود في مجتمع لايزال يعاني ولو تحت السطح رواسب التفرقة العنصرية.
الى جانب بنود تدعو، من منطلق الأمانة مع النفس، الى أن ينظر السود الى الواقع الذي يعيشون والى أن يتأملوا بصدق أنماط سلوكياتهم وأخطاء تصرفاتهم والسلبيات الناجمة عن قصورهم وتقصيرهم.
– الأمر الذي أصاب العائلة الزنجية بندوب وعيوب ليس أقلها مثلا الإسراف في الشراب والترخص في علاقات الجنسين والتقصير في التحصيل التعليمي وفي التفوق العلمي والإكتفاء بما القى إليهم مجتمع البيض من فتات المكاسب التي تشمل مثلا نجومية لاعبي الكرة.
أو عازفي موسيقى الجاز أو بعض نجوم السينما أو نفر قليل ممن يتم ترفيعهم الى بعض المناصب العليا ليكونوا بمثابة »أيقونات« للسود يسوقونها عند الضرورة نموذجا لفرصة متاحة أمام أحفاد الزنوج الذين كانوا مستعبدين.. نماذج تسد الذرائع وتسكت ألسنة النقاد..
أو تخزي العين كما يقال في القاموس الدارج المتواتر.ورغم أن مسيرة المليون رجل حملت في أكتوبر 1995 اسم التظاهرة المليونية الأولى.. فإن التاريخ السياسي القريب في أميركا يشهد بعكس ذلك تماما..
والحاصل أن شهر مارس من عام 1963 شهد أول مسيرة حاشدة بحق وهي تلك التظاهرة التاريخية التي قادها في تلك الأيام الزعيم الزنجي الأشهر الدكتور مارتن لوثر كنج .
ومازالت أصداء صوته النحاسي العميق ترن في جنبات الذاكرة الجمعية الأميركية وتردد عبارته الشهيرة التي قال فيها: »ثمة حلم يراودني«.
وفي هذا السياق يعلن مؤخرا القس آل شاربتون الزعيم الأسود في نيويورك قائلا:
- إن ما أضفى أهمية تاريخية على مسيرة 1963 هو أنها أسفرت عن صدور قوانين الحقوق المدنية لصالح إنصاف الزنوج في عام 1964. ولذلك فإن نجاح مسيرة المليون رجل في عامي 1995 و2005.
لا يزال مرهونا بأن تسفر المسيرة عن تحولات جذرية في حياة السود وخاصة عندما تدفعهم الى الاستعداد للاضطلاع بدور محوري فعال في انتخابات عام 2006 البرلمانية المرتقبة بالولايات المتحدة.
شهادة واشنطن بوست
من ناحية أخرى فليس لأحد أن يتوقف كثيرا عند الجانب الإحصائي.. الحجم العددي البحت لمسيرة المليون في أميركا.. فالذين عكفوا على تنظيمها من حقهم أن يبالغوا ليقولوا أنها فاقت حدود المليون إنسان.
. والذين اتخذوا إزاءها موقف التربص أو الترصد أو الانتقاد ومنهم قطاعات من اليهود يحاولون التهوين فينزلوا بعدد الذين انخرطوا في صفوفها الى بضع عشرات من الآلاف.
وثمة رقم اطمأنت اليه جريدة واشنطن بوست في تحقيق واف نشرته بقلم روبرت بيير وهاميل هاريس (عدد 18/10/2005) ودار حول حجم المائة ألف مشارك في المسيرة التي دامت وقائعها نحوا من 12 ساعة .
وكان ختامها هو خطاب فرقان الناري العنيف الذي استغرق 80 دقيقة بالتمام والكمال بعد أن سبقه عدة خطباء ومتكلمين من شتى أطياف المشهد الزنجي والملون في الولايات المتحدة.ولعل أبرز ما يلفت أنظار المحلل السياسي هو أن مسيرة عام 2005.
وعلى خلاف سابقتها (1995) قد ضمت عددا كبيرا من النساء (كان عنصر المرأة مستبعدا بالعمد من المسيرة الأولى بعد أن صرح فرقان أيامها بأن اهتمامه يتمثل في توجيه اللوم الى الرجل الأسود المتهم بإهمال زوجته وأسرته والتقصير في تربية أبنائه والاضطلاع بمسئولياته الأسرية)..
وإضافة الى ذلك، ضمت المسيرة الجديدة فئات أخرى من غير أحفاد الأفارقة المجلوبين من القارة السوداء خلال حقبة الاسترقاق التي مابرحت تشكل صفحات دامية في تاريخ أميركا وكان على رأس هذه الفئات جموعا من ذوي الأصل الأسباني..
الذين يعرفون في القاموس السياسي – السوسيولوجي الأميركي باسم »الهسبان« أحيانا وباسم »اللاتينو« أحيانا أخرى – بل كان من جموع المسيرة الجديدة ايضا نفر من الأميركيين الأصليين – الهنود الحمر كما يعرفون في بعض الأحيان..
وكأننا بذلك جاءت أقرب إلى نسيج تتكامل لحمته وتتشابك خيوطه من فئات المهمشين والمستبعدين والمقهورين والمنبوذين والمحرومين من فئات وشرائح المجتمع الأميركي.. ومازال المطلوب هو تحويل هذا الكمّ المقهور الى كيف أو الى جبهات رفض وإصلاح ومقاومة لعوامل الظلم والقهر والإحباط.
في أعقاب كاترينا
وإذا كانت مسيرة التسعينيات قد التأمت صفوفها لكي يسمع السود صوتهم للمجتمع الذي لم يجدوا فيه النُصفة والفرصة المتكافئة، فإن مسيرة الخريف الحالي جاءت في أعقاب كارثة كاترينا الاعصار الذي لم يعصف فقط بالولايات.
والمناطق الواقعة بين خليج المكسيك والكاريبي وبين الجنوب من خارطة الولايات المتحدة، ولهذا عصفت الأعاصير العاتية بالغطاء الذي كان مسدلا على عاهات أغنى مجتمعات العالم وأشدها قوة ومنعة..
فإذا بجمهرة أفراده، ومعهم قطاعات بغير حصر في الرأي العام العالمي يدركون أو بالأدق يكتشفون أن في أميركا فقرا مدقعا ومسغبة مؤسية وطبقات منسية في قاع المجتمع تفتقر الى أبسط مقومات الحياة الجديدة بإنسان القرن الحادي والعشرين.
لاعجب أن يتبارى خطباء المسيرة الأخيرة في انتقاد إدارة الرئيس بوش التي تستند في دعائمها الأساسية الى فكر وفعاليات وتوجهات وعقائد الجمهوريين وهم كما يوصفون حزب الهوامير أو القطط السمان – حزب "حيتان البيزنس" كما يعرفون في أميركا وفي هذا الصدد يقول واحد من قيادات السود وهو مالك زولو شاباز رئيس حزب الفهود السود الجديد:
- إن العصابات الإجرامية الحقيقية هي تلك التي تعمل من مقر المخابرات المركزية في واشنطن.
قال الزعيم المسلم
مع هذا كله.. ورغم الشعارات الزاعقة والتصريحات النارية التي شهدتها مسيرة الأمس القريب – إلا أن القراءة المتأنية لأوراق المسيرة والأدبيات الصادرة عنها..
تطلع المحلل السياسي على أهم بيان صدر في هذه التظاهرة الأميركية – هو ذلك الذي أدلى به سماحة »جيمس محمد« إمام المسجد رقم 95 في مدينة »سان بطرسبورغ« وقد اختتمت به صحيفة »سان بطرسبورغ تايمز« دراستها المنشورة في الموضوع (عدد 15/10/2005).
في هذا البيان العاقل تتجلى حكمة القيادي المسلم الأميركي الأسود:
- إن يتمثل أهم المتغيرات التي طرأت بين عامي 1995 و وفي 2005 أن الأجندة التي يجدر بنا أن نعتمدها أصبحت تضم وتؤكد أهمية التعليم والأسرة.
وفيما ركزت مسيرة المليون رجل في عام 1995 على عنصري المصالحة وصفاء النفوس (في مجتمع السود) فإن مسيرة عام 2005 كان لابد وأن تركز على عنصر أساسي تجلت أهميته على ضوء الأحداث والتطورات (والكوارث) الأخيرة وهذا العنصر هو.. معاناة الفقراء.
من هنا – يخلص »جيمس محمد« الى أن قيادات مجتمع السود في أميركا لم يعد يهمها مسألة العدد والحشود بل أصبح رائدهم هو الأمل في أن تنطلق حركتهم من عقالها بحيث تضم كل الأطراف صاحبة المصلحة..
سواء الذين تجشموا مشقة السفر والقدوم للمشاركة في الحركة أو الذين لم يأتوا للمشاركة بأجسادهم ولكنهم يشاركون فيما يشعر به الجميع من معاناة وما يجيش في صدورهم من آمال.
كاتب مصري – خبير في الإعلام الدولي