يرتبط التراث، في نظر الكثيرين منّا، بالماضي، لأن التراث من (الإرث)، وهو بقية الشيء، والأمر القديم يتوارثه الآخر عن الأول.

لكننا إن تمعنا في الدلالة المتضمنة في هذا التعريف سنجده غير مرتبط بالماضي تحديدًا، إنما يتجه من الماضي إلى الحاضر، ليصبح الحاضر من خلاله امتدادًا للماضي، وفي الوقت نفسه حلقة وصل بينه وبين المستقبل.

وتمثّل الثقافة الوعاء المعرفي الذي يضم إرث الماضي المادي من آثار ومقتنيات ونقوش وغيرها، والمعنوي كالعادات والتقاليد والعلوم والآداب والمعتقدات والخرافات والمناسبات والطقوس المرتبطة بكل منها وغير ذلك. كما يضم وعاء الثقافة إضافات الحاضر ومنجزاته من علوم ومعارف وحضارة وعمران.

ويُناط بالثقافة، في أي مجتمع من المجتمعات، دور عظيم وحيوي، إذ يوكل إليها تعزيز سبل التواصل زمانيًا ومكانيًا؛ فهي الوسيلة التي تُعرف بها الحضارات وتُقيَّم، ويعكس المقدار الذي تحققه حضارة ما على المستوى الثقافي مدى التقدم الذي أحرزته هذه الحضارة في المستويات الأخر.

ولأن تراث اليوم هو ثقافة الأمس، يمكن القول إن الثقافة تمثل مع التراث رافدين يمدّان أي حضارة بأسباب البقاء والتجدد، وأحيانًا الخلود، إن أحسن أفرادها العناية بهما.

ويظفر المتأمل في المجتمع الإماراتي بصورة مشرقة للواقع الثقافي في الدولة؛ من حيث الاهتمام الرسمي بهذا الجانب؛ فقد تبوأت الثقافة بمختلف تجلياتها مكانة خاصة ومميزة في البنية العامة للمجتمع الإماراتي، ويجد الجانب الثقافي عناية خاصة من قِبَل عدد من الجهات المعنية به بشكل مباشر أو غير مباشر في الدولة.

ولكن المثير للحزن والأسى هو أن هذا الاهتمام الرسمي الذي توليه الدولة للجانب الثقافي لا يجد تفاعلاً بمستوى الجهد المبذول لإرساء أسس الثقافة في المجتمع.

ولإنشاء أجيال تضرب جذورها بعمق في الماضي، موظّفة إياه في حاضرها، وحاملة له بفخر إلى عتبات المستقبل، وهذا موضوع يحتاج إلى وقفة خاصة ربما تحين لها فرصة مناسبة في مقال آخر.

وبالعودة إلى الاهتمام الرسمي بالثقافة تراثًا ومعاصرة، يمكن التوقف عند الحدث الثقافي الذي لفت الأنظار مؤخرًا.

وهو إعلان ميلاد (هيئة أبوظبي للثقافة والتراث)، التي أمر بإنشائها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تأكيدًا على أهمية البعد الثقافي في نشأة المجتمعات، ورقيّها، وتطوّرها، وإيمانًا بأثر الجانب الثقافيّ في مقدار الوعي المتحقق عند أفراد المجتمع.

وتهدف هذه الهيئة إلى رعاية النشاط الفكري والفني، والحفاظ على التراث الثقافي في إمارة أبوظبي خصوصًا، وفي الدولة عمومًا، من خلال وضع عدد من الاستراتيجيات التي تحقق هذين الهدفين.

ومن المؤكد أن قرار إنشاء (هيئة أبوظبي للثقافة والتراث) يعدّ قرارًا سديدًا، يُضاف إلى ما سبقه من قرارات حكيمة، تضع نصب عينيْها مصلحة الوطن وأبنائه، عاكسة رؤية ثاقبة ووعيًا عميقًا بأهمية العناية بكل جانب من جوانب البنية المجتمعية.

ولكنّ المطلوب الآن تفعيل هذا القرار من خلال اختيار الكفاءات المواطنة القادرة على تحمل هذه المسؤولية العظيمة، وتيسير مهامّها من خلال التعاون الكلي والتام معها من قِبَل جميع الهيئات والمؤسسات ابتداء من دور الحضانة ورعاية الأطفال .

وانتهاء بأهم وزارات الدولة، كي تؤدي الهيئة دورها، وتصبح الثقافة معلمًا مميزًا لمواطني دولتنا أمام غيرها من الدول.والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن تحقيق هذا المطلب العزيز؟

ولعلّ الإجابة عنه لا تسعها بضعة أسطر في مقال، ولكن يمكن ذكر أهم ما يجب التركيز عليه في المرحلة الأولى من عمر هذه الهيئة، التي نعلق عليها كثيرًا من آمالنا وأحلامنا. ومنها على سبيل المثال:

توعية المجتمع بأهمية الجانب الثقافي في التكوين الكلي للشخصية السوية، وتبصير أفراده بجميع مستوياتهم وفئاتهم وتوجهاتهم بأثر هذا الجانب في نحت الصورة النهائية لشخصية (المواطن) أمام ذاته، وأمام الآخر.

كما تجب إعادة برمجة النظام التعليمي، وذلك بمدّ جسور التعاون بين وزارة التربية والتعليم وهذه الهيئة، بحيث يقدم النظام التعليمي الجديد المادة المعرفية بصيغة جديدة.

تسهم في تأسيس القاعدة الثقافية عند كل فرد من أفراد المجتمع منذ سنوات دراسته الأولى، بعيدًا عن الأساليب التقليدية التي تنشئ نسخًا مكررة من الأفراد في كل جيل، يعيدون تقديم ما حفظوه آليًا، بتسليم وخضوع، دون إعمال عقولهم في محفوظهم، أو القدرة على توظيفه وقت الحاجة إليه، مما يفقدهم الإحساس بتميزهم.

واختلافهم عن بعضهم، وبقدرتهم على التفوق على غيرهم.كذلك يجب تفعيل دور المثقفين، والعمل على إعادة إحياء صورة المثقف المتفاعل مع مجتمعه، والمهتمّ بقضاياه، والمعبر عن همومه وآلامه وأحلامه.

وإحلالها محلّ الصورة التي سادت حينًا من الدهر عن المثقف المتعالي، الأناني، الساكن في برجه العاجي منقطعًا للكتابة والتنظير دون أدنى مسؤولية تجاه مجتمعه، وبهذا يمكن للثقافة أن تتغلغل إلى جميع مسارب الحياة دون أن تواجَه بنفور أو إعراض من أفراد المجتمع.

ومما يجب التأكيد عليه في هذا السياق هو ضرورة عدم انصراف جهد الهيئة إلى التراث على حساب الثقافة أو العكس؛ فعلى الرغم من كونهما وجهين لعملة واحدة. إلا أن انصراف الجهد إلى أحدهما دون الآخر سيؤدي إلى خلل في البنية الثقافية، وقد ينشأ لدينا جيل يعرف كل شيء عن تراثه ولكنه منقطع عن واقعه المعاش.

أو قد يحدث العكس، بأن ينشأ لدينا جيل يعرف كل شيء عن أساسيات الثقافة المعاصرة ومتطلباتها، ولكنه لا يفقه شيئًا في تراثه، ولا يعرف أي شيء عن تاريخ بلاده، أو عادات مجتمعه، أو معتقداته.

إن الاعتدال في توزيع الاهتمام بين عناصر الثقافة وعناصر التراث من شأنه أن يسهم في إنشاء جيل مثقف ثقافة متكاملة وواعية، قادرة على القيام بدورها التنويري في المجتمع.

جامعة الإمارات