كم أنتجت كتابات فكرية وتاريخية محفزة سياسيا وأيديولوجيا عن انتصارات في حروب ومعارك ؛ لكننا لم نشهد أية كتابات تاريخية معمقة معرفيا عن تراجيديات اجتماعية، وحالات كارثية، ومضامين نضالية جماعية.
إن حاجة العرب ماسة كي يحفزهم تاريخهم من اجل التفكير في حاضرهم وضرورات مستقبلهم بعيدا عن كتابات غير مقروءة أو أفلام مرئية كاذبة، من أجل إشباع عواطفهم الساخنة، وتقوية معنوياتهم العارمة.
والمجتمع العربي الحديث بحاجة أساسية إلى قراءة وسماع ورؤية المسكوت عنه في تاريخنا المخفي، سياسيا واجتماعيا وثقافيا.. لقد تربت الأجيال العربية المستحدثة على جملة من التواريخ المزيفة التي لم يعرف مجتمعنا عن تاريخه إلا:
الازدهار والرخاء والنصر والصحيح من الأمور، والانبهار الذي يصل عند الكثير من الناس حدود القداسة.. وغابت عنه صور مقاربة من حقائق التاريخ التي لو كان بإمكان الأجيال العربية معرفتها، لكان أزيلت غشاوات كبيرة عن أعين الناس !
التعامل مع الفرص السانحة
لقد كانت بعض التجارب (العربية) الدولية جديرة بالتقدير، ولكنها نائية عن الاهتمام بها من قبل أصحاب القرار الذين يرضيهم الهوس المقنع بالرضى عن تواريخ لا تنعش في الذاكرة أي قيمة فكرية إذ ليس لها إلا إرضاء العواطف بالتفاخر والتنطع ويوم »كنا ولا تسل كيف كنا« !!
إنني أدعو إلى أن تأتلف قوة المضمون التاريخي مع العناصر الفكرية من اجل إعطاء هذا »الموضوع« حجمه الطبيعي وإثارة الوعي كي تدرك الأجيال الجديدة في القرن الواحد والعشرين كم خذلتها الأجيال السابقة في القرن العشرين من هذه الناحية بالذات !
إن معرفة الحاضر وتوقعات المستقبل لا يمكنها أن تعرف إلا من خلال قراءات معمقة في تاريخ الأحداث وسيرورتها والتفكير الهادئ والعقلاني في تقاطعاتها وتصادماتها مع خطوطها وخفايا شخوصها.. وبكل ذكاء كي تنطلق قوة التفكير إلى حيث الميدان بتوفر عاملين أساسيين مساعدين:
حجم الحريات العربية وتكافؤ الفرص العربية. ويا للأسف، أثبتت التجربة التاريخية أن العرب ليسوا بقادرين على صناعة الحدث التاريخي المدهش ولا بقادرين على مجابهة الأحداث التاريخية الساخنة ! ولم يدركوا معرفة أضدادهم وأعدائهم الحقيقيين.
. ويمكنهم أن يكونوا أقوياء فعلا في هذا "الجانب" إذا توفرت العناصر الأساسية للبناء: الاستقرار السياسي والتضامن الجماعي والتحسس بالشأن العام والمصالح العليا وسقف الحريات والتقنيات الحديثة والتفكير السليم في صنع القرار .
واشدد هنا على وظيفة التفكير المدهش في استنباط المعاني الأساسية التي يمكن الاعتماد عليها، والمجردة من أدلجة عصر مختلف بآلياته وعناصره وتراكيبه وتفكيره.. يلازمه تحسس بالمستقبل رائع مجرد هو الآخر من أية نوازع سياسية أو أيديولوجية...
لكنه مكرس لخدمة جملة من المبادئ التاريخية في ما يخص العرب والمسلمين أولا، وخدمة جملة من المبادئ الإنسانية عند البشرية قاطبة.. خصوصاً ونحن نعلم بأن صورة العرب والمسلمين معرضة دوما للتشويه لدى المتلقي في العالم كله سواء كان التشويه مكتوبا أم مسموعا أم مرئيا!
كيفية التعامل مع المستقبل
لقد تبين لي من مقارنة جملة من القرارات السياسية العربية وتموجات الرأي العام العربي في مواجهة السيناريوهات الخارجية إزاء العرب، أن العرب بحاجة إلى أن يتعلموا كيفية إدارة الصراعات.
ويتعلموا كيفية مراقبة ردود الفعل، ويتعلموا كيفية معالجة الأزمات وكيفية قراءة تجاوز الصدمات، ويتعلموا كيف يميزون بين الخطابات والأفعال..
ويتعلموا كيفية الفصل في السياسات بين المبادئ والمصالح بعد الفصل بين السلطات.. ويتعلموا كيفية مراعاة موازين القوى وترمومتر الضعف والقوة، ويتعلموا بأن تشنّج العواطف لا تنفع شيئا في عالم غريب عنّا كثيرا ومتبدل بسرعة شديدة.
. انه ليس عالم »إرجاع القديم إلى قدمه« ولا »عالم الحرب الباردة«، ولا »عالم حركات التحرر«، ولا »عالم الوفاق السياسي«، ولا »عالم التحالفات والتحالفات المضادة«.. الخ
انه عالم بحاجة إلى آليات جديدة في التعامل الذكي: عالم التكيفات مع إرادة القطب الأحادي الذي يخشاه الجميع اليوم ! إن أي أمر غير مدروس في كيفية التعامل العربي مع العالم إنما يثقل من فرص التقدم .
وان الكاميرات والميديا الإعلامية الرائعة لا يمكنها أن تؤدي أغراضها السليمة من وطأة الأحداث والشخوص كقيمة جوهرية ولكن الخوف أن تكون مجردة من أغراضها ومفرغة من مضامينها باقتصارها على الإثارة، فينعكس ذلك كله على حيادية الحقائق المكتوبة..
لابد أن ندرك كيفية إدارة التوجيه الإعلامي العربي الخارجي بعيدا عن المزيدات والمشاحنات، وان لا يأتي ذلك كله إشباعا لمتطلبات محلية. لقد دفع العرب ثمنا باهضاً في كل مرة نتيجة سوء تقديرهم للأحداث والظروف وعدم معرفتهم فن التحكم في الحرب "والحرب خدعة" .
ولكنها لم تبق حتى اليوم »كر وفر« ! على العرب أن يوقفوا نزيف أنفسهم بالتآمر على بعضهم البعض، والتفكير في الخروج من مأزق الانهيار ومتوالية الخسائر التاريخية وعدم منح الأعداء فرص النجاح والانتصار!
ان المتغيّرات الإعلامية والسياسية والجماهيرية تشحن نفسها اليوم بسرعة مذهلة.. وان أكثر ما يحزن أيضا أن يلتهب المجتمع العربي فجأة نتيجة أحداث لم يتوقعها أبدا تنال منه .
ومن كرامته ! وما أن تمر العاصفة حتى يهدأ كل شيء وتمضي سنوات لكي يرّوع بأحداث أقسى من الأولى فيرتج ويلتهب.. وهكذا دواليك. وعليه أنادي:
ألم يتبلور تفكير عربي جديد يقتنص الفرص السانحة ليتوقع البلايا قبل حدوثها ويأخذ حيطته قبل وقوع الكارثة؟ فمتى يبدأ عصر الوعي الجمعي يا ترى؟ متى يتعّلم العرب »الواقعية« وهي من أثمن الأشياء في التاريخ؟
مؤرخ عراقي