يفتح تقرير ميليس باب هبوب رياح شؤم جديدة على المنطقة. ويجدد حالة التوتر لأناس متوترين أصلاً، لا يعرف أحد متى يمكن أن تقع الكارثة المقبلة، لكننا جميعا نعرف أين تقع.

غدا في مجلس الأمن يبدأ السيناريو، ربما يكون تكرارا لسيناريوهات سابقة تم تجريبها في العراق وليبيا وربما تتفتق الأذهان عن سيناريو جديد مختلف في التفاصيل ويقود إلى نفس الأهداف، حصار خانق أو قصف من الجو لإعادة الألق إلى آلة عسكرية تمرغت في الوحل، ليس فقط بأيدي المقاومة الشريفة التي تتوارى في الإعلام تاركة الساحة لإرهاب الزرقاوي.

وإنما أيضا بيد الأميركيين الذين لا يعرفون لماذا هم هنا لذلك ينفسون عن أحقادهم ضد حكومتهم عبر ممارسات فاضحة في أبو غريب، وعبر وجه تتري يكشف عنه العبور من خانة قتل البشر والتمثيل بجثثهم إلى خانة تدمير المعالم الحضارية لبغداد على نحو ما حدث الأسبوع الماضي من نسف لتمثال أبي جعفر المنصور.

جميعنا بدرجات متفاوتة ينتظر ما يخبئه الجراب الأميركي، وما إذا كان هذه المرة يستهدف رأس النظام السوري أم الدولة السورية بشعبها وتاريخها وحضارتها وعبقها.

فمن المقلق أن تتوجه الكاميرات يوم نشر تقرير ميليس إلى المسجد الأموي ترصد حركات وسكنات المصلين فيه ولا تتوجه إلى قصر الرئاسة السوري، إذ أن هذا قد يحمل مغزى واضحا يتمثل في أن المواجهة المحتملة هدفها سوريا الدولة والتاريخ ودمشق حاضرة العرب وعاصمة الأمويين التليدة وليس نظام حكم يمكن أن نتفق أو نختلف حوله.

ومثلما أبرزت بعض الوكالات عددا من المصلين وهم يغطون في النوم أثناء خطبة الجمعة فإن حال العرب لا يختلف كثيرا وحال معظم المسؤولين السوريين أسوأ.

فلو صح تعميم نموذج فيصل مقداد مندوب سوريا في الأمم المتحدة على مسؤولي النظام لكنا أمام كارثة حقيقية إذ يغلب التشنج على السلوك الحكومي في وقت يحتاج إلى أناة، فالرجل لم يحتمل أن يوجه إليه سؤال يخص مساءلة الرئيس بشار الأسد وتعامل بعصبية شديدة في وقت يفرض عليه أن يكون حكيما وأن يحاول كسب الإعلام وليس كسب عدائه.

صحيح أن التقرير يضع سوريا في زاوية حرجة، ويهدد بتغيير كاسح ليس في سوريا وحدها وإنما في المنطقة بأسرها، وصحيح أن جهات معادية ربما تكون دخلت على الخط وتطوعت بتقديم معلومات تقود التحقيق في الاتجاه الذي يناسب مصالحها، وصحيح أن الانتماء للعروبة أصبح عامل إضعاف بدلا من أن يكون سندا لكل عاصمة تجد نفسها في أزمة، لكن التشنج وغياب الحنكة الدبلوماسية يعجل بالكوارث، ولا يعني بالضرورة أن من يمارسه صلب الموقف أو قوي الحجة.

ميليس وجه أصابع اتهام مباشرة لمسؤولين بعينهم، فالرئيس بشار هدد بتكسير لبنان على رؤوس الحريري وجنبلاط، وفاروق الشرع حاول خداع المحققين ورستم غزالة باح بمعاداته للحريري، لكن ليس بالضرورة أن تكون سوريا قد فعلتها.

فالمنطقة تعج بمن بنوا بنودهم على انتهاز الفرص والاصطياد في الماء العكر والقيام بأبشع أعمال الإرهاب، وليس من العدل أن تصمت العواصم العربية ويضع كبار المسؤولين أيديهم على خدودهم انتظاراً لوقوع كارثة جديدة نندب بعدها حظنا التعس الذي أوقعنا بين خارج متربص وأنظمة تخصصت في جلب الكوارث لشعوبها.

هناك مساحة لا تزال للفعل العربي مهما كان حجم التورط السوري فيما حدث، فلو تدخل العرب قبل غزو العراق تدخلا حقيقيا مسؤولا لما كانت الكارثة التي يعيشها العراقيون بحجمها الحالي، هناك جامعة عربية ومسؤولون لا يفتقر بعضهم إلى الحكمة، وهناك نخب ثقافية وفكرية عربية حان دورها وهناك شعوب يجب أن تتحلى باليقظة، وألا تتيح تحقيق الرغبات الغربية والإسرائيلية في تحويل اغتيال الحريري إلى قميص عثمان جديد.

المجرمون يجب أن ينالوا جزاءهم، هذا ما تقتضيه العدالة التي لا تبدو مصممة على الاقتصاص من الظالم إلا في عالمنا العربي، لكن هناك شعوباً ومقدرات ومستقبلاً يجب عدم التضحية بها على مذبح تلك العدالة الشائهة العرجاء. وفي وقت المحن ليس معقولا أن يظل الحاكم أغلى من الوطن، فتلك النظرة جلبت لنا الكوارث في الماضي. وشأنها شأن جهنم تقول : هل من مزيد؟

لكن أي بوادر للفعل العربي لم تسفر عن وجهها، وحده الصمت يلف العواصم في انتظار افتراس عاصمة جديدة.

magdishendi@hotmail.com