العام 2005 يوشك على الانتهاء، لا دولة فلسطينية على الأرض. لا دولة فلسطينية في الأفق. وعد بوش في صيغته الأولى »دولة فلسطينية في نهاية العام 2005« ثم التراجع عنه مرة، مرتين، ثلاثاً. حسناً الموعد ليس مقدساً المهم ان تقام الدولة. لكن حتى هذه »الدولة« لا تبدو مقدسة أيضاً وقد تكون مجرد حبة كرز في سلة هدايا بوش للفلسطينيين المملوءة بالفاكهة العفنة.
على الأرض ليس ثمة ما يستحق البناء عليه، وما قيل عن »تحرير« غزة ثبت انه ليس أكثر من »تمرير« ذكي من شارون لهدف في المرمى الفلسطيني، ها قد انسحبنا ونوايانا السلمية.. طيبة.. ومن يصدق غير بوش؟!
فقطاع غزة الذي حوّله الانسحاب الإسرائيلي إلى ثروة فلسطينية مزيفة يوشك على التحول إلى عبء كبير. اذ ان المفاوضات حول المعابر عالقة في طريق مسدود. فإسرائيل تواصل المطالبة بالرقابة الكاملة على المعابر مع مصر، المعابر مغلقة. والخطر يتزايد في ان يكون القطاع قد تحوّل فعلاً إلى سجن كبير.
حتى اليوم، ورغم الانسحاب فإن المسؤولين الإسرائيليين ما زالوا يتجادلون حول مسألة إلغاء الحكم العسكري في قطاع غزة. يقود اتجاه الإلغاء نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز الذي طالب بتعيين وزير إسرائيلي مهمته تنسيق معالجة امر غزة بكل جوانبه. فهو يرى ان غزة ليست منطقة محتلة، وليست دولة بل واقع خاص يمكن تسميته »مسودة دولة«!
نذكر هنا ايام مؤتمر مدريد حيث انطلقت ما سميت بعملية السلام. حينها قال مسؤول أميركي كبير حين سئل عما سيجنيه الفلسطينيون من عملية السلام »سيكون لهم أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة«.. ربما مسودة دولة، كما يقول بيريز الآن وبعد مرور 14 عاماً على مدريد. والمسودة قد تحترق في أية لحظة وبسبب أية عملية فدائية تخطىء في التوقيت وفي الهدف!
وقد أحرق الإسرائيليون عدة مسودات خطط ومشاريع للتسوية من اتفاقات طابا إلى شرم الشيخ إلى واي بلانتيشن إلى كامب ديفيد. وحتى عندما كان الفلسطينيون يقدمون التنازل تلو التنازل فقد كانت حجة الإسرائيليين دائما: ليس ثمة شريك في الطرف الآخر.
وهذه الحجة بالذات حاولوا استخدامها لإجهاض زيارة محمود عباس إلى واشنطن قبل أيام من قيامه بها. فقد شنوا حملة إعلامية وسياسية لإظهار ان ابو مازن رئيس ضعيف غير قادر على ترسيخ الأمن ونزع سلاح الفصائل المسلحة وبخاصة كتائب القسام الذراع العسكري لحركة حماس.
ذلك بالرغم من ان استطلاعين للرأي أجراهما باحثون من جامعة بير زيت في الضفة وغزة أظهرا ان نسبة التأييد العامة لابو مازن ارتفعت من 33% إلى 45% في مائة يوم وكانت نسبة الارتفاع في غزة أكثر منها في الضفة.
طبعاً كان الهدف من الحملة الإسرائيلية التي يقول مسؤولون فلسطينيون ان وراءها شارون إجهاض مباحثات أبومازن مع الرئيس الأميركي الذي يستمع عادة إلى الإسرائيليين بعقل وقلب مفتوحين فيما يستمع إلى الفلسطينيين بنصف اذن وبلا قلب بالمرة.
فهو مسكون بمكافحة الإرهاب وهو التعبير الذي يعني بالنسبة للرئيس الفلسطيني الحرب الأهلية بين الفلسطينيين ويعني بالنسبة للإسرائيليين هدفاً جوهرياً حتى يقولوا للعالم: انظروا.. كم نحن على صواب بمواصلة احتلالنا لهذا الجزء من العالم!
إسرائيل ليست في وارد الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية. فمشكلة الفلسطينيين بالنسبة لها انهم فلسطينيون. انهم الآخر الذي يجب إلغاؤه.. ومهما سعى الرئيس الأميركي أو غيره إلى تقديم حلول فإن الإسرائيليين قادرون على الوصول إلى أي مطبخ يطهى فيه مستقبل الفلسطينيين لحرق الحل.. ولو على مراحل.
كاتب من الأردن