طالما أعتبر التاريخ الثقافي أن الأديان، على تنوعها، تنتمي إلى العالم الكلاسيكي السابق على الحداثة، تلك التجربة/ الطفرة التي لم يبلغها التاريخ الإنساني إلا على أشلاء الرؤية التقليدية للوجود وفي قلبها الأديان التي تصير آنذاك النقيض المنطقي للروح الحديثة.

وذلك إذا ما فهمنا الجوهر الفلسفي للحداثة باعتباره ذلك التحول الجذري على صعيد تصور الذات الإنسانية لنفسها ولموقعها في الوجود ولقدرتها على السيطرة على مصيرها باتجاه إعتاقها من كل الأفكار ذات الطابع الأسطوري أو الميتافيزيقي التي طالما أسرتها وأعاقت قدرتها على النمو الذاتي وعلى التحرر.

خاصة تلك الأفكار التي ادعت بالحق الإلهي المقدس في حكم الشعوب, ما كان كفيلا بإلغاء كل قيمة عقلانية، وموضوعية، ينتجها أو يراكمها التاريخ البشري ما يحول بينه وبين فكرة التقدم. ولكن هل كانت كل الأديان قيدا على حرية الإرادة الإنسانية، وهل كان التناقض محتما بالضرورة؟، وهل كان مطلقا يتجاوز الزمان والمكان؟.

ربما كانت الإجابة صعبة على وجه الإجمال، وان لم تحل صعوبتها دون محاولة تلمسها في الإسلام، إذ نعتقد بأن النموذج العقيدي الإسلامي، وبغض النظر عن التجربة التاريخية، يستبطن جذرا طبيعيا يؤسس لحداثة عربية تلتقي مع مخرجات عديدة للحداثة الغربية وإن اختلف مصدر الإلهام لدى كلتيهما.

فالإسلام مثلا، يقدم صورة متسامية للإلوهية تتفق والنضج الحادث للعقل البشري في التاريخ ، وذلك ضد النزعة الى أنسنة الإله التي سادت بعض العقائد، أو تأليه الإنسان التي استبطنت عقائد أخرى سابقة .

وتحمل عقيدة التوحيد الإسلامي الصورة الأكثر تنزيهاً للإلوهية عن كل بشرية أو نسبية أو نقص ، فهو الواحد الأحد الذي ليس كمثله شيء والذي يغفر برحمته كل ذنوب البشر مهما كانت ثقيلة إلا أن يشرك به حيث طريق الخلاص الإسلامي يقوم على نفي كامل للوساطة بين الإله وبين البشر الذين يعيشون في هذه الدنيا بمشيئته مطالبين بتجسيد القانون الأخلاقي المضمن في كتابه الكريم والذي يصلهم عبر رسول منهم ليس مقدساً ولا يحمل مكوناً إلهياً بل هو من الناس يحيا حياتهم.

ثم يموت مثلهم فلا يبعث في الدنيا ولا ينتظر وجوده مرة أخرى إلا معهم نهاية الخليقة حينما يبعث كل البشر لملاقاة الحساب بالعقاب أو الثواب وحسب أعمالهم التي جنتها أياديهم وعلى قاعدة المسؤولية الفردية.

وهنا فإن »التوحيد الإسلامي« كمفهوم عقيدي يقدم أساسا راسخا لحرية الإرادة الإنسانية على المستوى الوجودي إذ يكفل لها إزالة كل قيد خارجي يعطل انطلاقها حيث قدرتها على العمل وطموحها إلى الإبداع وتشييد الأبنية الحاضنة والقواعد المنظمة لهذا العمل بشرط واحد هو استلهام معناها النهائي من الرؤية الإيمانية للوجود والذي يتنزل من السماء لا ليحكم الحياة بكل تفاصيلها الدقيقة: أبنيتها ومؤسساتها وعلاقاتها.

وأشكال تنظيمها الاجتماعي والسياسي إخضاعا لها، عند التطبيق العملي والممارسة التاريخية لسلطات قاهرة، بل فقط ليلهمها غايات الوجود النهائية التي يفسد الكون بغيابها ومحررا لها من كل سطوة أرضية ترفض هذا الإلهام وناصرا لها علي كل سلطة بشرية تبغي الفساد في الأرض حتى وإن تسترت بلباس الأديان نفسها في قشورها وقوالبها البالية.

إذ تتحدد هذه الغايات الأساسية في ضوء الإدراك »العقلي« للدين والمتطور في التجربة الإنسانية وليس في ضوء الإدراك »الفطري« للدين والمتجمد عند الأشكال البدائية والقوالب التاريخية.

حسب هذا الفهم تمثل عقيدة التوحيد جذرا للحداثة يلهم خصوصيتنا الثقافية وينهض على مفهوم الذات الإنسانية »المستخلفة« التي تمثل رافدا لترشيد تناقضات النزعات الوضعية المتطرفة والتي تنطلق من مركزية مفهوم الذات الإنسانية »المطلقة« في الوجود إذ تقدم الذات المستخلفة فهما عميقا ومتوازنا للعلاقة بين الطبيعة بحدودها المادية الملموسة التي يمكن التحقق منها والخوض في غمارها والتي تمثل محورا لانشغال العلم التجريبي الشكي المؤسس للرؤية الحديثة.

وبين الوجود الواسع والشامل واللامحدود والذي لا يمكن التحقق منه ولا الإحاطة به الا عبر الرؤى الدينية ومناهجها النقلية في المعرفة، ما يفرض على العقل الإنساني أن يكون أكثر تواضعا فيؤمن بأن جانبا من الحقيقة في معناها الأشمل يبقى ممتنعا عن الاكتشاف، ومستعصيا على التجريب بالوسائل نفسها المعتمدة لاكتشاف وتوظيف الطبيعة ما يبقى للدين بإلهاماته الجوهرية موقعا على خريطة الانشغال العقلي.

وذلك على عكس الرؤى الوضعية المتطرفة التي تتنكر لهذا الجزء من الحقيقة أصلا باعتباره ليس إلا »متيافيزيقا« ناجمة عن هواجس إنسانية محضة إزاء الغموض الكوني المخيف والتي تمنح العلم وحده دون الدين حق تفسير الوجود.

أو الرؤى السلفية التي تقلص من فضاء العالم الواقعي المحسوس الذي يفترض أن تقوم المعرفة العلمية بفحصه ودراسته، إلى حدود دنيا تكاد تنعدم عند أكثر تياراتها انغلاقا، بينما توسع كثيرا في فضاء اللا محدود وغير القابل للتحقق »الميتافيزيقي« إلا من خلال إلهامات وإشراقات صوفية أو نصوص دينية حتى يكاد يستوعب الحقيقة الكونية كلها حيث يتقلص كثيرا دور العلم في فهم وتحليل هذه الحقيقة لصالح الدين.

هذا الفهم المتوازن لدى الذات المستخلفة ربيبة التوحيد الإسلامي هو ما يزيل التناقض »الحتمي« بين الدين والعلم ويحفظ لكل منهما فضاءه الخاص، ويقود من ثم إلى ترسيخ الإيمان الديني ضد النزعات الإلحادية والمادية البحتة التي طالما اعتبرت تناقضات في تجربة الحداثة الغربية من ناحية، والى استلهام المقومات الايجابية العلمية والتكنولوجية والليبرالية التي أسست للحداثة والتي طالما افتقدتها الثقافة العربية من ناحية أخرى.

كاتب مصري