لم تلحظ مبادرات إعادة الاعتبار للجامعة العربية وتطويرها، أهمية دور الكادر الوظيفي المنوط به متابعة مسيرة العمل العربي المشترك من خلال الجامعة. ومبلغ العلم أن واحدة من هذه المبادرات لم تتوقف عند سؤال فارق، يتعلق بما إذا كانت تقاليد التجنيد لهذا الكادر قد أوفت بالشروط .
والمحددات التي يستلزمها الاضطلاع بوظيفة في أم المنظمات القومية العربية. فوقفة كهذه كانت تستدعي، كإجراء قبلي، النظر في تأثير بيروقراطية هذه المنظمة على أدائها الوحدوي، أو حتى التكاملي، في المراحل السابقة. وهو ما لم يحدث في سياق مداولات الإصلاح بالصراحة والصرامة الواجبة.
ومع ذلك ليس ثمة ما ينقص التقييمات الصورية القديمة نسبيا بهذا الخصوص، التي انتهت إلى عدم تبلور مفهوم الموظف القومي أو حتى الموظف الدولي العربي. الذي يقدم الولاء للجامعة على الولاء لدولته الأصل..
هناك ميل متزايد لدى موظفي الأمانة العامة للأخذ بتوجيهات حكوماتهم، والدفاع عن طموحاتها ورغباتها داخل أجهزة الجامعة، حتى أضحت ميدانا إضافيا للتعبير عن الخلافات العربية البينية؟.
. وكان مما سجل على الجامعة أيضا »استمرارها في التوظيف على أساس التوزيع الجغرافي بنظام الحصص، لا من منطلقات الخبرة والكفاءة في هيئة قومية، يفترض أنها تسعى لتجاوز الانتماءات الجهوية المحدودة...
هذه النتيجة تكفي لاستشعار أزمة في البعد البيروقراطي لحركة الجامعة، لكنها لا تشبع غاية التعرف على مساحة الأثر السلبي الذي تركته هذه الأزمة مقارنة بغيرها من معوقات فاعلية الجامعة.
ومن المفهوم أن تحري هذه الغاية يثير القضية الفقهية الخاصة بحدود قدرة المؤسسات فوق الوطنية وهيكلها الإداري الوظيفي، على العمل بإرادة ذاتية، بمعزل عن إشعاع إرادات الدول الأعضاء.
أو على الأقل بالتوازي مع هذه الإرادات. الإشكالية هنا، بصيغة أخرى، تدور حول الفرص المتاحة لهذه المؤسسات في المساهمة بمبادرات خلاقة من لدنها في دفع الأهداف الوحدوية أو التكاملية التي تسهر عليها إلى الأمام، بعيدا عن القيود والنوازع المصلحية التي تكبح أداءها من جانب بعض الأعضاء.
التصور السائد بهذا الصدد أن بيروقراطيي الجامعة افتقروا إلى مثل هذه الفرص على الدوام.. ذلك بسبب غيرة الدول العربية على سيادتها حيال هيئات الجامعة على نحو مرضي.
غير أن هذا التقدير أقرب إلى التبرير الكلاسيكي الذي يلقي في وجه كل من ينتقد دور الجامعة ويؤشر إلى عجزها في معالجة قضايا النظام العربي. وقد يرد عليه بأن الجامعة كان بوسعها الالتفاف والتحايل من أجل إكساب ذاتها شيئا من إرادة التحرك الذاتي.
ولو في نطاق الاختصاصات الموكلة إليها والقرارات المتخذة في رحابها. لكن ذلك كان بحاجة إلى الكادر الريادي الوظيفي المؤمن بفكرتها ومرجعيتها القومية، الواعي بقوانين المواءمة بين هذه الفكرة وبين السيادات الوطنية المتضخمة للأعضاء، المدرك لكيفية النفاذ إلى المصالح القومية العليا بغير تعرض لحساسيات المصالح الوطنية.
والشاهد أن القائلين ببراءة بيروقراطية الجامعة من المسؤولية عن أزمتها، هم من الذين يلتزمون بالمقارنة الجافة بين هذه المؤسسة الإقليمية العربية وبين أدوار البيروقراطيين في غيرها من المؤسسات الدولية.
وهي مقارنة صماء لا تقيم وزنا للأبعاد والمضامين القومية التي تميز الجامعة عن غيرها. في حين كانت العناية بهذه المضامين ومازالت، تفترض التعامل مع بيروقراطية الجامعة بمنظور مغاير، قوامه أن العاملين في منظومتها يضطلعون بمهمة رسالية، ويتحتم عليهم التسلح بالدوافع أو الحوافز الوحدوية واعتبار أنفسهم في مواقع كفاحية.
وأن جزءا أصيلا من عملهم الوظيفي – غير الاعتيادي جدلا وصدقا – هو الارتقاء بالمؤسسة ليس فقط تقنيا وفنيا، وإنما أيضاً وأساساً إيديولوجياً وفكرياً، وتعويمها فوق الخلافات والهواجس الإقليمية الوطنية الضيقة.
ومع الانتباه إلى محذور التعميم وضرورة وجود موظفين مدركين لدورهم القومي التكاملي في رحاب الجامعة، فإنه يصح الاعتقاد بأن غالبية كبيرة من بيروقراطية الجامعة لم تتنبه لطبيعة هذا الدور وسماته المميزة. ما جعل هذه الغالبية تتحرك في دائرة الحد الأدنى من التوافق العربي، وأحيانا في مادون هذا الحد إيثارا للسلامة الذاتية والبعد عن "وجع الرأس".
ولا ريب أن منهجية كهذه حرمت النظام العربي من بعض المبادرات الإبداعية التي كان – ومازال – بإمكان البيروقراطية القومية طرحها عليه. لماذا؟، لأن هذه البيروقراطية منغمسة في التفاعلات والأوجاع التي يعانيها النظام،.
ولابد أنها على دراية كبيرة بمكامن الخلل ودروب معالجتها وإزاحتها. وهي إن لم تكن كذلك، فهذا يعني أنها ليست مؤهلة لموقعها، ما يستلزم إعادة النظر جديا في إحلالها بغيرها طبقا لمعايير أكثر علمية وجدية.
ونحسب في كل حال أن حديث إصلاح الجامعة العربية وتطوير النظام العربي، سينتهي إلى الخواء والتجويف ما لم يقترن بالارتقاء إدارياً وتقنياً بالقوى الساهرة على تطبيق هذا الحديث.. ما لم يتم التأمل مليا في دور بيروقراطية الجامعة وشروط الالتحاق بها..
فالصحة البنائية للجامعة تبدأ بانتقاء العناصر الكفء المناسبة للأداء. وكما أن الحاجة تلح لوجود القيادات العربية العليا ذات الأفق الإصلاحي القومي على الصعيد السياسي في الدول الأعضاء، فإن الحاجة تلح أكثر بالنسبة للعناصر الوظيفية الرشيدة.
الغيورة على التطوير والإصلاح، المنفتحة على المصلحة العربية العامة، غير المتمترسة خلف قلاع المنظورات الوطنية. العناصر التي لا تنقل إلى المؤسسة القومية النزاعات الجهوية بذهنية جامدة، فتقعد كلا من القومي والوطني على حد سواء وتورثهما العجز والإحباط.
يستطيع الاصلاحيون العرب المباهاة كما يشاؤون بالمبادرات التطويرية التي صاغوها من أجل إقالة النظام العربي من غيبوبته وعثرته الممتدة. ولكن عليهم الاعتراف بأن البيروقراطية القومية هي التي ستتلقف هذه المبادرات، وعلى أدائها تتوقف صحة المسار المستقبلي للنظام من عدمه.
ولعل الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح، اتجاه المزج بين فكر الإصلاح وبين انتقاء كادر القائمين عليه ومتابعة يومياته، هو انتهاج الشفافية في انتخاب هذا الكادر.
ويقتضي ذلك بداهة التخلي عن اعتبار التوظيف في مؤسسة الجامعة، وبقية الأطر القومية التكاملية، مكافأة من المعنيين لبعض المحاسيب. كما يقتضي الإطاحة بطريقة »الكوتا« في توزيع مناصب الجامعة.
فإن لم يكن هذا المطلب الأخير محتملا من بعض الدول الأعضاء، فلا أقل من أن تراعي هذه الدول فيمن ترشحهم المسوغات الضرورية لمن يوكل إليهم دفع العمل الوحدوي أو التكاملي العربي، وذلك أدعى وأهدى سبيلا لمراعاة مصالحها الوطنية والقومية.
بدلا من تحويل الجامعة إلى مرفق للثرثرة. وبالطبع، فإنه إن خلصت النيات في هذا الاتجاه، فسوف لا يعجز المختصون عن تحديد معايير التجنيد النموذجية لتحقيقه. ولهم أن يعتبروا بالخصوص بالمعايير التي اشتقتها التجربة الاتحادية الأوروبية، بدون إهدار للفروقات النسبية معها.
كاتب وأكاديمي فلسطيني