هل سنبقى منتظرين الشرق الأوسط الكبير لفترة طويلة من الزمن؟!
لقد هللت وصفقت واحتفلت معظم الفئات والجماعات التي تجلس في كثير من الأحيان على الجانب الأيسر من خريطة الوطن العربي عندما سمعت بتحريك المياه الراكدة في المجتمعات العربية.
وهناك عرف ثقافي يميل إلى أن اليسار بجميع فئاته يمثله في كثير من الأحيان طبقة ما يطلق عليها الأنتلجنسيا (أو وعي الطبقة كما يطلق عليه الفيلسوف الفرنسي سارتر) وهذه النخبة المثقفة من المفكرين في المجتمع أو ما بقي منها ـــ والتي كما يبدو قد بدأت تتقلص في الوطن العربي أو تتسرب من مواقعها.
أو لم نعد نسمع عنها كثيرا لأسباب عدة ـــ مازالت متمسكة بالمبادئ الأساسية التي تحكم علاقات الأفراد فيما بينهم في المجتمع الواحد وبجميع مراتبه. وأرفع هذه المبادئ قدراً هي ربما تلك المرتبطة بـ (حرية) الفرد؛ حريته في الحياة وحريته في التفكير والتعبير عن رأيه و في تقرير مصيره.
وعندما انتشر خبر فكرة الشرق الأوسط الكبير، بدأت هذه النخبة تشعر ـــ رغم تحفظها على من سيقوم برسم الخطوط العريضة لهذا الشرق الغارق في الضبابية وخوفها العميق من تطبيقها بمكاييله الخاصة .
ـــ بأن بصيصاً من الأشعة بدأ يتسرب من بين شقوق تلك الجدران التي ظلت لعدة قرون من الزمن لا تسمع ولا تتكلم ولا ترى. وشرع بعضهم ممن عاش مشرداً عن وطنه بحزم حقائبه استعداداً للعودة إلى الوطن الحلم الذي لم يره لعقود طويلة.
أو الذي في كثير من الأحيان ولد خارجه! وتخيل البعض الآخر أنه أصبح نائباً في البرلمان أو يحمل حقيبة وزارية وأنه بالتالي سيساهم في تغيير الوضع الاجتماعي والسياسي في بلده.. أو على الأقل سيحمل جواز سفر عربي.
ومما ساعد على تفشي هذا الحلم العربي هدير أحذية جيوش المارينز الأميركية والبريطانية والدول التي تحالفت معها لقلب نظام حكم صدام وهي تدوس تربة بغداد.
حيث ساد الاعتقاد بعد سقوط نظام صدام أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتوانى عن استخدام قوتها المتواجدة في قلب خريطة الوطن العربي ضد أي نظام حاكم مطلق متسلط (خاصة إذا كان هذا النظام عربي المنشأ) يسعى إلى انتهاك حقوق مواطنيه كما كان يحدث زمن حكم صدام في العراق.
وخاصة عندما صارت أصابع الاتهام تشير إلى بعض الدول التي وصفت بأنها راعية للإرهاب أو منتهكة لحقوق الإنسان والتي يجب إصلاح نظام الحكم فيها كما حدث في بغداد وما نتج عنه من قلق وفوضى أدتا إلى شبه استسلام للقوة الأميركية من قبل بعض الأنظمة.
وكان اغتيال رفيق الحريري وما تبعه من تجاوب نظام الحكم في سوريا بالذات التي فتحت ومازالت جميع أبوابها للمحققين الأميركيين جيئة وذهابا. وكذلك بعد أن نجحت سياسة الحصار والخنق الأميركية من قبل في إعادة الجماهيرية الليبية
الدولة العربية الأكثر تشدداً.
ورفضا ومحاربة للسياسة الأميركية أينما وجدت إلى التوافق مع السياسة الأميركية ما أوجد انطباعاً لدى الكثيرين عن القدرات الهائلة التي تملكها الولايات المتحدة لإرغام أكثر الدول تشدداً على تغيير مواقفها إلى درجة الاستسلام الكامل!!.
إضافة إلى تصريحات الرئيس بوش المتسرعة أو المتسارعة بنيته قلب الأنظمة التي عفى عليها الزمن على امتداد رقعة واسعة من الكرة الأرضية تمتد من الخليج إلى المحيط .
والتي طالما تغنينا بوحدتها منذ زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، كل ذلك دون أن يتفوه أحد بكلمة واحدة تعلن بأن مثل هذه الأمور تبقى شأنا داخليا وأن ليس لأحد وصاية علينا.
كل ذلك عمق الشعور لدى أغلبية المظلومين و حتى لدى النخبة المثقفة بقدرة القوة العظمى على حمايتهم من الآن فصاعداً: حيث ساد الشعور لدى الكثيرين بأن أي اعتداء على حرية المواطن العربي أيا كان سيعتبر بمثابة اعتداء على حرية المواطن الأميركي على بعد آلاف الأميال!!
وبالتالي يسوغ للولايات المتحدة ـــ وهذا ما تخطط له ـــ انتهاز الفرصة لاتخاذ ما تراه مناسبا في هذا الشأن مع من تشاء وبالطريقة التي تراها مناسبة حتى ولو أدى ذلك العقاب إلى تدمير البلد كاملا على رؤوس أهله!
وهذا ما حصل بالفعل.. ومع الرفض القاطع لأي تدخل أجنبي في أي بلد عربي حتى ولو كان ظالما لشعبه إلا أن الشعور بالأمان بدأ يدب في قلوب الكثيرين.. ورياح التغيير بدأت تهب على الشرق الكبير..
واضطرت بعض الأنظمة لتفادي الكارثة أن تظهر بمظهر الحمل الوديع تجاه أبناء وطنها؛ وأعلن العفو العام عن المعارضين السياسيين والمثقفين المنفيين خارج الوطن:
فبدأت الاجتماعات على مستوى القمة والقاعدة حتى وصلت إلى ديوانيات البعض وأقيمت الندوات والمؤتمرات السياسية، وشكلت اللجان، وأعدت الدراسات التي قدمت عدة اقتراحات لمسودات وتصاميم لشكل هذا الشرق الأوسط الكبير! فعمت الفرحة في كل شبر من الوطن العربي.
وفي اليوم التالي اكتشفت الولايات المتحدة خطأها الأكبر! بل أخطاءها الكبرى! ويبدو أن خبراء ومستشاري بوش قد نصحوه بالتراجع عن مثل هذه الخطوة الخاطئة التي قد تهدم مصالح الولايات المتحدة. فهي أولا مازالت متخبطة في الأوحال العراقية حتى أنفها ولن يكون بإمكانها الدخول في حرب جديدة وهي لم تحقق شيئا يذكر في العراق.
ورأت أن استبدال الأنظمة الحالية بأنظمة ديمقراطية قد يقلب موازينها في المنطقة ويهدد مصالحها فيها. وإن خير سياسة للاستمرار في حماية مصالحها الاقتصادية في المنطقة الإبقاء على الرموز الحالية في أماكنها. فهي أيضا مثلنا تؤمن بفلسفة: (ليس بالإمكان خير مما كان) التي كنا نأكلها مع الخبز ونشربها مع الماء.
وضاع حلم الطبقة المثقفة والنخبة الحالمة بالديمقراطية في الوطن العربي. وشيئا فشيئا لم نعد نسمع عن فكرة الشرق الأوسط الكبير. فقد حلت قضية فلسطين باستعادة الفلسطينيين لغزة وقبلت سوريا وليبيا بما هو مطلوب وتمت الانتخابات في مصر .
ولم يعد هناك داع لتغيير الأنظمة في أي مكان؛ فلقد فتحت الأبواب الاقتصادية والتجارية والجغرافية شيئاً فشيئاً للكيان في المنطقة. وهذه هي قمة الديمقراطية التي كانت تخطط إليها فكرة الشرق الأوسط الكبير!
جامعة الإمارات