لكل بلد في عالمنا دستوره (أو قانونه الأساسي) والدستور هو بالمحصلة اتفاق أو عقد اجتماعي وطني (وليس سياسياً) بين قوى المجتمع على تعدد مشاربها الإثنية والدينية والمذهبية ومناطقها الجغرافية وأوضاعها الطبقية ومصالحها الاقتصادية وتنوع ثقافاتها.
ويتضمن مجموعة القواعد التي تحدد طبيعة الدولة ومهماتها ووظائفها وهيئاتها وسلطاتها والفصل بين هذه السلطات، وعلاقاتها بعضها بالبعض الآخر وعلاقة الدولة بالمجتمع والحكومة بالمواطنين.
وحقوق هؤلاء المواطنين وواجباتهم بما فيها حقوقهم القانونية وحقوقهم الأخرى وخاصة حرية التعبير والاعتراف بتعددية الآراء وقبل هذا وذاك حق المواطنة المتساوية لجميع المواطنين باعتبارهم مواطنين أفراداً أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات، وفي الوقت نفسه ضمان الحق المتساوي للمجموعات الإثنية والثقافية والدينية داخل الدولة.
ويحدد الدستور إضافة لما سبق طبيعة النظام السياسي وطرق اختيار الحكومة من قبل أفراد المجتمع بحيث يساهم الجميع في هذا الاختيار سلباً أو إيجاباً كي تعبّر السلطة عن مصالح الأكثرية التي اختارتها ودائما ًفي إطار الدستور وما يقضى.
قد يكون الدستور تحت اسم (القانون الأساسي) كما هو الحال في المملكة العربية السعودية كما قد يكون غير مكتوب كما هو الحال في المملكة البريطانية، وقد تقره جمعية تأسيسية منتخبة لهذه الغاية كما قد يقره استفتاء شعبي.
ويخضع تعديل الدستور إلى إجراءات فيها شيء من التعقيد كالالتزام بأكثرية ثلثي المجلس النيابي أو إجراء استفتاء شعبي أو غيرها، وتوضع هذه الشروط عادة لأن الدستور عقد اجتماعي وطني لا ينبغي أن تعبث به أكثرية سياسية حتى لو كانت منتخبة، فالأمر لا يتعلق بقرارات سياسية أو برامج تنموية وإنما بتوازن دقيق وجدي ومسؤول بين المواطنين جميعاً.
وكي لا يخضع العقد الاجتماعي أي الدستور إلى رغبة الأكثرية السياسية الحاكمة ومطامعها ولئلا تفرط الأكثرية بحقوق الأقلية، ولذلك فالمهم في الدستور ليس النصوص المجردة المطلقة بقدر أهمية الروح التي تنبعث من مواده والتوازن بين فئات المجتمع الذي يضبطه.
والتحديدات الواضحة التي يتضمنها حول دور الدولة ومؤسساتها وهيئاتها والمجتمع وعلاقته بدولته وبحكومته والدور الذي تقومان به والضوابط المانعة لشطط الحكومة أو مؤسسات الدولة، أي لشطط السلطة وخروجها عن روح الدستور وعن مقتضياته.
عند تطبيق هذه المنطلقات على الدستور العراقي المقترح سواء أقر أم رفض نلاحظ وجود ثغرات عديدة فيه من حيث البنية والمبدأ فضلاً عن المواد التي تضمنها مشروع الدستور هذا.
فهو ومن خلال الإجراءات التي اتبعتها لجنة صياغة الدستور للوصول إلى مسودته لم يأخذ الأطر العامة المعمول بها عالمياً استناداً إلى الخبرات الإنسانية وخبرات الشعوب كلها التي تراكمت خلال التاريخ الإنساني.
فالجمعية التأسيسية (المجلس الوطني) التي انتخبت في يناير الماضي لمهمة أساسية هي وضع الدستور لم تمثل المجتمع العراقي بتنوعاته الإثنية والمذهبية والثقافية وغيرها.
وقد مثلت بعض أطيافه فقط، ومهما كانت الأسباب فإن هذا خلل كبير لا يصح مع وجوده وضع دستور للدولة كلها، ورغم أن المجلس الوطني حاول أن يعدّل الموقف باختيار شخصيات من خارجه (وهذا عمل غير دستوري) إلا أن عدد هذه الشخصيات لم يكن كافيا ًولا منتخباً.
وبالتالي فهو غير مؤهل لتمثيل الشريحة التي اختير منها ولم يكن فعالاً في اختيار مضمون الدستور ومحتويات مواده، وهذا ما أكد أن الدستور كان خياراً لبعض الفئات السياسية وليس للفئات الشريكة في الوطن كله، أي أنه دستور سياسي في الواقع .
وليس دستوراً لجميع المواطنين، ولا يعني قبوله من الناخبين أنه أخذ مصالح الجميع في اعتباره كما لا يعني رفضه أن أكثرية المواطنين لا يقبلونه، فالقضية قبل أن تكون حسابية هي موضوعية تتعلق ببنية الدستور لا بآليات إقراره.
لم يأخذ الدستور العراقي المقترح بعين الاعتبار أنه دستور لمواطنين أفراداً وأحراراً، وإنما لمجموعات إثنية أو مذهبية تحالفت فشكلت أكثرية سياسية وفصّلت الدستور على هوى مصالحها.
وبالتالي فقد أقر ضمناً أن المواطنة ليست هي المرجعية الوحيدة ولا حتى الأساس للدولة بل هناك مرجعيات أخرى تعود في الواقع إلى ما قبل الدولة الحديثة وأعني المرجعيات القبلية والطائفية والعرقية وغيرها.
وهذه جميعها وإن كان لابد من تضمين الدستور مصالحها إلا أنه لا ينبغي أن تكون هي المرجعية للدولة والمجتمع، وإلا لأصبحت الدولة ليست دولة والحقوق ليست حقوقاً بل محاصصة بين قوى تسلمت السلطة بشكل أو آخر، فماذا مثلاً لو تسلمت السلطة فئات أخرى (وبطرق شرعية) فهل يحق لها إعادة تبني دستور جديد آخر يضمن مصالحها؟
وعندها سيصبح الدستور كالبيان الوزاري مرتبطاً بمرحلة بعينها وظروف محددة ولا يصلح لتنظيم شؤون الأمة وتوافقات مجموعاتها وأفرادها على إطار عام للعيش المشترك ولدولة واحدة موحدة لجميع مواطنيها الأحرار المتساوين.
والأغرب أن الدستور العراقي المقترح حدد بضع سنوات لا يجوز تعديله فيها (لولا الضغوط التي أعطت الحق بتعديله خلال أربعة أشهر فقط وبعدها لن يعدل قبل زمن طويل) وكأن واضعيه يخشون من مجيء فئات سياسية أخرى ستعمد إلى تعديله، وبهذا فقد صاغوا دستوراً لهم الآن ولغيرهم في المستقبل.
احتوى الدستور العراقي مواد مهمة وإيجابية وعصرية بدون شك كضمان الحريات والتعددية وإقامة نظام ديمقراطي وتداول السلطة، إلا أن هذه ترافقت مع ثغرات خطيرة تضمنها الدستور ومنها خاصة إقامة فيدرالية من شأنها خلخلة الوحدة الوطنية والتأسيس لتفككها.
كما قضت فعلياً على سيطرة الدولة المركزية على مواردها الاقتصادية ودخلها الوطني إضافة لثغرات عديدة جداً وسلبية جداً لا من باب المصالح الذاتية بل من أفق مصلحة الشعب العراقي والدولة العراقية الموحدة ذات السيادة.
يختلف الدستور بطبيعة الحال عن القانون أو السياسة المرحلية للحكومات فهو أعم وأشمل وأبقى، ولذلك لا ينبغي أن يكون تعبيراً عن نصر عابر لفئات سياسية، أو ينتقص من حقوق ومصالح فئات اجتماعية مهما كانت تعبيراتها الثقافية والسياسية ومواقفها في مرحلة من المراحل.
لأنه عقد بين جميع المواطنين يحفظ حقوقهم ويحدد واجباتهم ويوازن مصالح فئاتهم على مختلف تكويناتها وليس غنيمة تقتنص في ظروف طارئة وفي مرحلة انتقالية، وبهذه الحالة فمن المتعذر أن يصمد إلى أمد بعيد.
كاتب سوري