تحتاج المؤسسات، وبخاصة تلك العاملة في مجال الخدمات المجتمعية مراجعة لأدائها بين الحين والآخر حتى تقف على أوجه النجاح أو القصور فيه. وهذه بلا شك إحدى نقاط القوة التي تستند عليها تلك المؤسسات، كونها تستطيع من خلال تلك المراجعة أن تعزز من مكانتها ومن نوعية أدائها، مما يعزز بالتالي نجاحها ويدفعها باتجاه تقدم أكبر.

والمراجعة للأداء عملية مطلوبة لأية مؤسسة لأنها إحدى العلامات الدالة على حرص القائمين عليها للبحث في أساليب التطوير والتخلص من العوائق التي تقف في طريقه. ولكن الملاحظ في مثل هذه التوجهات في مجتمعنا أن عملية المراجعة نفسها في بعض المؤسسات تبدأ من منطلقات أو فرضيات هي الأخرى بحاجة للمراجعة.

ففي الكثير من الأحيان، وفي بعض المؤسسات الهامة، كالمؤسسات التعليمية أو المؤسسات الإعلامية، على سبيل المثال لا الحصر، تتم الاستعانة بشركات، هي في الغالب شركات أجنبية.

قد تكون ذات سمعة جيدة في مجالات الأبحاث في بلدانها، أو بأفراد لديهم خبرة طويلة في ميدان أعمالهم، لكن تلك الشركات أو الأفراد يعجزون عن إعطائنا الخطوات التي يجب علينا أن ننتهجها للوصول إلى النجاح؛

فتذهب كل الجهود وكل الأموال التي صرفت، في الكثير من الأحيان، هباءً منثوراً. ولهذه المسألة إشكالياتها التي تستحق منا أن نلقي عليها الضوء وأن نوليها الكثير من اهتمامنا، لأنها مسألة تتعلق أولا وأخيرا بمصلحة البلد ومصلحة الإنسان فيه.

وأود في البداية أن أقول إن أي مسؤول يسعى إلى تطوير المؤسسة التي يعمل فيها هو في الأساس شخص حريص في عمله وعليه، وأنه بلا شك حين يسعى إلى تبني برامج تطوير فإنه يبحث في إمكانية تحسين أداء تلك المؤسسة التي يتولى شؤونها، مثلما يحرص على المصلحة العامة.

كما أن الاعتراف بأن الكثير من مؤسساتنا لا تسعى فقط إلى تحسين أدائها ولكنها أصبحت تضع التقاليد الجيدة للعمل وتؤسس لنوعية من الإنتاج يشاد بها، أمر ضروري ولابد من تثمينه.

لكن القضية الأساسية التي نحن بصددها تتعلق بجزئية هامة في مجال التطوير، ألا وهي الجزئية المتعلقة بمسألة الاستعانة بالخبرات الأجنبية، وبخاصة في المجالات التي ذكرتها سابقا، ونوعية الإشكاليات التي نصادفها حين التعامل مع تلك الخبرات والنتائج التي نحصل عليها في بعض الأحيان؛ مستعرضين فقط بعض النقاط الأساسية.

وذلك لأن الموضوع بلا شك له جوانب كثيرة وعميقة ولا يغنينا مقال صحفي لتغطيته، بل ربما دراسات ودراسات كثيرة، وذلك لأن الانعكاسات التي يتركها على مجالات الحياة المختلفة في بلدنا انعكاسات لها تأثيرها القوي. غير أننا هنا سوف نلقي بعض الضوء عليه حتى نساهم في الجهود التي تسعى لدراسته وتقويمه.

وهنا أرى أنه من الضروري الإقرار بأننا، وفي مجالات عديدة، بحاجة إلى أن نجري تعديلات كثيرة على برامجنا وعلى أدائنا.

وأننا قد نكون أحيانا في حاجة لأن نستعين بأناس من خارج بلدنا لتقديم رؤاهم في المجالات الجديدة علينا، وبخاصة تلك التي لها صلة بالجوانب التقنية أو مجالات العلوم الصرفة، لكن الخبرات التي اكتسبناها في مجال الاستعانة بمن يسمون بالخبراء الأجانب تشير.

وبشدة، إلى أن الاستعانة بهم، وبخاصة في الميادين المرتبطة بمجالات العلم والثقافة، قضية بحاجة للمراجعة. لأن النتائج التي نحصل عليها منهم كثيرا ما يستحيل تطبيقها، أو أنها تخلق أمامنا الكثير من العراقيل في المجالات التي ندعو بتطويرها.

والمشكلة بالدرجة الأولى تقع في أن الكثيرين من الأجانب (ولا نتجاهل هنا بعض العرب المرتبطين بهم) حين يأتون إلينا يأتون وفي أذهانهم تصور مسبق على أن المكان الذي يأتون إليه هو منطقة متخلفة في كافة تفاصيلها، وبالذات في إنسانها، وبالتالي يعيقهم هذا التصور عن فهم التراث الثقافي لهذا البلد ولإنسانه.

كما يجعلهم يتصرفون وكأنهم مناط بهم دور خارق لإخراج البشر في هذه البقعة من الأرض من الظلمات إلى النور؛ ولا تختلف رؤيتهم هذه حتى حين يتعاملون مع بعض فئات المواطنين من ذوي الخبرة الطويلة وحملة الشهادات التي توازي شهاداتهم أو حتى تزيد عليها.

النقطة الأخرى التي نلمسها في الاحتكاك بهؤلاء »الخبراء« أنهم يمضون زمنا طويلا في محاولة التعرف على تقاليد العمل في المكان الذي يأتون إليه، مستعينين بالخبرات التي تكون أصلا موجودة فيه، وأنهم يصيغون برامجهم انطلاقا من الرؤى التي يحملها إليهم العاملون في المؤسسة قبلهم.

وبالتالي ينحصر دورهم على إعادة صياغة ما يحصلون عليه من معلومات، لكنهم يمتازون عن أولئك العاملين في المؤسسة بأن لهم قناة تواصل مفتوحة مع الإدارات التي جاءت بهم، وأن آرائهم يكون لها وقع أكبر، وتولى اهتماماً خاصاً من قبل المسؤولين.

وهنا تأتي نقطة هامة وبحاجة للحوار، ألا وهي النقطة المتعلقة بالثقة التي تعطى لـــ »الخبير الأجنبي« ولا يتمتع بها العاملون في الكثير من المؤسسات المحلية، وبالذات المواطنين. لأن هذه النقطة هي »مربط الفرس« كما يقال.

ففي الكثير من الأحيان، وحين استعراضنا لكمية ونوعية الخبرات المتواجدة في البلد، وبالذات الخبرات المواطنة، نجد أنها قادرة بلا أدنى شك على تولي مهامها، لو اعطيت لها الفرصة والثقة بنفس الدرجة التي تمنح للخبير الأجنبي.

لأن الأمر ببساطة مرتبط بالدرجة الأولى ليس فقط بكفاءة هذه الكوادر، ولكن بإحساس الانتماء الموجود لديها والذي يجعلها أكثر حرصا من غيرها على التفاني في خدمة بلدها. وهذا لا يعني طبعا أننا نسعى للتعميم في الناحيتين.

الأولى أننا نرى أن كل كوادرنا متمتعة بأخلاق مهنية عالية، وأنهم بلا استثناء متميزون ومخلصون في أعمالهم، وبأن الأجانب بالضرورة آتون لخدمة مصالحهم الخاصة وأنهم لا يمتلكون المعارف التخصصية العميقة التي يسهمون في تقديمها لبلدنا، فالحقيقة أن التعميم هنا غير جائز.

فهناك من المواطنين من هم بحاجة إلى أن يبذلوا جهودا أكبر في تطوير قدراتهم، ومنهم من هم أيضا بحاجة إلى أن يتحلوا بأخلاق عمل عالية، كما أن في الأجانب أناساً يشاد لهم بنوعية الفكر الذي يحملونه وبأخلاق العمل العالية التي يتحلون بها.

وتنعكس في أدائهم. إنما التركيز هنا هو في مجال السؤال حول الحاجة الحقيقية للخبرات الأجنبية وحول نوعيات بعضها. كما أن الحديث حول الثقة التي يجب أن تولى للكوادر الوطنية المتعلمة تعليما جيدا والقادرة على تحمل مسؤولياتها أمر له علاقة مباشرة، ليس فقط بمصلحة المواطن.

ولكن بالدرجة الأولى بمصلحة الوطن. فالثقة في المواطن لا تعكس فقط ثقتنا في أنفسنا بل تعكس أيضاً ثقتنا واحترامنا للإرث الثقافي والفكري الذي نحمله كعرب، عرب لهم بصمات وإسهامات في العلوم يستحيل على العالم نكرانها، وحري بنا أن نكون أول من يقدر تلك الإسهامات ويستقي من مشاربها.

كما أن هناك مجالات، كما ذكرت، لا يستطيع الشخص القادم إلينا من خارج البلد أن يمنحنا فيها ما نحن بحاجة إليه، كأن نطور مثلا في نوعية البرامج الثقافية، الإعلامية على سبيل المثال، التي تقدم من مؤسساتنا. لأن صياغة تلك البرامج.

وفي أبسط الأحوال تتطلب دراية بالواقع وبتفاصيله، و بالتالي لا يستطيع الشخص من خارج هذا البلد تقديم ما نطمح إليه لأنه لا يمتلك الدراية الكافية بنوعية الثقافة التي يتعامل معها وبأبعادها. وهذه مسألة ليست مقصورة فقط في هذا المجال.

وآخر ما أختم به نكتة قالها لي أحد المستشارين الأجانب حين جادلته في نوعية الحلول التي يطرحونها لنا وفي أنهم في الغالب لا يفعلون أكثر من إعادة صياغة رؤانا، فقال »ألا تعرفين من هو الخبير، إنه الشخص الذي يسرق ساعتك ليخبرك عن الوقت«.

جامعة الإمارات