أود الانطلاق في هذه المقالة من نتائج دراسة موجودة على شبكة الإنترنت، بعنوان (المشهد الثقافي العربي في الإنترنت- قراءة أولية )، للناقد المغربي الدكتور (محمد أسليم)، قدم فيها عرضًا شموليًا ووافيًا لطبيعة الحضور الثقافي العربي على شبكة الإنترنت.
وقد انتهى الدكتور (أسليم)، في دراسته المطوّلة هذه، إلى نتائج لا تكاد تختلف عما هو عليه الوضع الآن، بعد مضيّ حوالي سنتين على كتابته لها، ومنها: سلبية الحضور الثقافي العربي على الشبكة، وغلبة البعد الاستهلاكي في تعامله معها، وعزوفه عن التفاعل الإيجابي، أو الاستثمار الحقيقي والفعلي للمعطيات التي تقدمها، والإمكانات التي تسمح بها.
ولن أقدّم هنا عرضًا لما تضمنته هذه الدراسة القيّمة في مضمونها، والمؤلمة في نتائجها، لأنها موجودة على الشبكة في موقع الدكتور (أسليم) الشخصي، لكل من أراد العودة إليها والاطّلاع على تفاصيلها، ولكن أذكر أنني تساءلت منذ قرأتها قبل شهور، وظل السؤال ملِحًّا منذ ذلك الحين، عن طبيعة الحضور العربي غير الثقافي على الشبكة، إذا كان الحضور الثقافي العربي، بحسب الدكتور (أسليم)، على هذه الدرجة من السلبية، والاستهلاكية؟
وإذا كان القابضون على مفاتيح الثقافة، لا يزالون غارقين في غفوتهم الإلكترونية، فما حال الآلاف المؤلَّفة من البشر، ممن ينتظرون صحوة النخبة، واستيعابها لما يستجدّ حولها على كافة المستويات، وتمثّلها لكل ذلك، كي تفتح لهم أبواب الثقافة الإلكترونية، المتواكبة مع إيقاع العصر، مبينة لهم سبل التعاطي معها، وكيفية الأخذ منها، والإضافة إليها.
إن أي تعامل مع شبكة الإنترنت يقتضي القيام بأحد دورين: الإنتاج، أو الاستهلاك. ومن الواضح أننا نجحنا، بل وتفوقنا على غيرنا كثيرًا، في القيام بدور المستهلك، ويبقى ما تستهلكه الشعوب العربية، وما يلقى رواجًا عند مختلف فئات مجتمعاتها موضع سؤال.
وفي هذا الصدد، يمكن الاستعانة بما أشار إليه الدكتور (حسن مدن) في أحد مقالاته منذ فترة، عن دراسة قام بها أحد الباحثين الخليجيين، تناول فيها علاقة الشاب الإماراتي بشبكة الإنترنت، وذكر في نتائجها أن ربع العينة التي أجريت عليها الدراسة تستخدم هذه الشبكة، المتوافرة لها بتكلفة زهيدة، وبسرعة فائقة، في تحميل الأغاني، والنغمات، وتبادل ملفات الأفلام والألعاب، وتساءل الدكتور (مدن) حينها بمرارة قائلا: هل الإمكانيات المتوافرة في بيوتنا من عتاد الألعاب الإلكترونية، وأجهزة التقاط برامج القنوات التلفزيونية، والمحطات الإذاعية، لا تكفي الشاب الإماراتي الذي يسخّر الإنترنت للعب أيضًا؟
ولعلّ هذا المثال ينطبق على معظم شباب الوطن العربي، ممّن تغصّ بهم غرف الدردشة مختلفة الاهتمامات والتوجهات، والتي يجري من خلالها، غالبًا، تبادل ملفات الأغاني والألعاب، ومواقعها، وآخر المستجدّات بخصوصها.
أما على مستوى الإنتاج، فيمكن القول بأسيً إن شبابنا، وهم أكثر الفئات العمرية تعاملا مع الشبكة في المجتمعات العربية، لم ينجحوا حتى في إنتاج ما يجد قبولا عندهم، وما يستمتعون بقضاء معظم أوقاتهم فيه، أعني برامج الألعاب، فكيف نتوقع منهم إنتاج ما هو أهم من ذلك، خصوصًا أنه يقع خارج نطاق اهتمامات معظمهم؟!
إننا نفاجأ في كل يوم بالجديد إلكترونيًا، على مستوى البرمجيات والمعدّات، ولكنه في معظمه إنتاج الآخر، ولا يدَ لنا فيه سوى الاستهلاك الجزئي غالبًا، والذي لا يكاد يقارن باستهلاك الأمم الأخرى المنتجة له، والتي تعرف كيفية استثمار منتجاتها إلى غاياتها القصوى، مما يساعدها على التفكير وإبداع ما هو أفضل منه، بعد أن تكون قد استنفدت كل الأوجه المحتملة لمنتَجها السابق.
وبالعودة إلى موقع مثقفينا في المشهد الثقافي الإلكتروني، سنجد أنّ عددًا كبيرًا منهم زاهد في الإفادة من التكنولوجيا الرقمية، إما نتيجة رهبة كامنة في النفوس إزاء كل ما هو إلكتروني، لم يستطع المثقف العربي تجاوزها أو التحرر منها، وإما نتيجة لا مبالاة بهذه التكنولوجيا الرقمية، بسبب عدم تقديرهم لقيمتها ولأهمية ما تحمله بين رقميْها، وإما نتيجة رفض سابق لكل ما يمكن أن يمسّ الصورة النمطية التقليدية للمثقف وللفعل الثقافي المرتبط عندهم بالورقة والقلم.
ولعلّ أكثر ما استطاع بعض المثقفين فعله، في محاولة منهم لكسر الحاجز النفسي القائم بينهم وبين معطيات التكنولوجيا الرقمية، هو طباعة نصوصهم على الحاسوب، وتبادلها بالبريد الإلكتروني، ونشرها في أحد المواقع الإلكترونية، أو في النسخ الرقمية للجرائد والصحف على الشبكة، بعد نشرها ورقيًا.
ولهذا يمكن القول إن واقع الحضور العربي على الشبكة، ومستوى ما يُقدَّم عربيًا لا يمكن أن يوضع في سياق مقارنة بما يقدّمه الآخر، بغض النظر عن هوية هذا الآخر، أو موطنه، أو ديانته، أو اتجاهاته، فالأمر الواضح لمستخدمي الشبكة هو حضور ذلك الآخر، بكل ما يتضمنه من اختلاف فيما بينه، حضورًا طاغيًا، يكاد يكون مسيطرًا، على الشبكة، في مقابل انكفائنا على ذواتنا، نجترّ ما سبق أن أنجزناه وقدمنا ورقيًا، ولكن بصيغة رقمية.
لقد كان المثقفون منذ الأزل، منذ أن كانت الثقافة ورقية فقط، هم رواد أي نهضة أو تطوّر حضاري يحدث في أي مجتمع من المجتمعات، وقد كانت الإمكانات المتوفرة آنذاك أقل، وسبل التواصل بين الناس أصعب، إلا أن دور المثقف كان واضحًا ومشهودًا به.
والآن، بعد أن أصبحت الثقافة رقمية الإيقاع، وتوافرت الإمكانات المختلفة بشكل أكبر، وحدث التواصل بسهولة ويسر بين الناس في مختلف بقاع الأرض، أصبح المثقفون مطالبين بتبنّي دورٍ أكثر حيوية وتأثيرًا، وبذل كل جهودهم للحاق بركب الحضارة العالمي، الذي لن ينتظر أحدًا، ولن ينتظرنا نحن تحديدًا حتى نستيقظ من غفوتنا، لذا، لا بد لنا من التخطيط بوعي لمستقبل مؤثر وفعال فيما حولنا، كي نسدل الستار على مرحلة (الغفوة الإلكترونية)، ونبدأ مرحلة (الصحوة الإلكترونية).
جامعة الإمارات.