الكتمان فضيلة أمرنا باتباعها تراثنا الروحي العظيم كوسيلة تعين البشر على قضاء حوائجهم.. لكن الفرق كبير وخطير أيضا بين الكتمان والتكتيم.. المعنى الأول يفيد صيانة الأمر عن شبهة العلن والذيوع.. والمعنى الثاني يلحقه الكثير من شبهات التعتيم والسلوك الباطني وربما يشوبه أيضا قدر من ظلال التغرير والاستدراج والتناقض بين ظاهر الأمر وجوهره.
بين السر والبروباجاندا
وفي لغات الفرنجة يميزون بين السر المصون «سيكريت» في الإنجليزية مثلا وبين الأعمال السرية والأحابيل التي تصاغ من وراء ستار ويستخدمون لها في الإنجليزية أيضا مصطلح «كو؟يرت» الشائع في أعمال الاستخبارات.
لكن ها هو المصطلح وقد جرى استدعاؤه لكي يصدق على نمط جديد من أنماط الخداع.. التعتيم.. التضليل الإعلامي أو هو التزويق الدعائي الذي لا يقصد وجه التوعية أو التثقيف أو حتى الترفيه بوصفها ثالوث الهدف الإعلامي المتعارف عليه بقدر ما يقصد وجه التلاعب بعقول الناس وتصوير الأمور في ظاهرها وقشورها على خلاف ما يفيده باطنها وجوهرها الحقيقي.
كل هذه المعاني السلبية باتت تلخصها العبارة ـ المصطلح التي تسللت مؤخرا الى أدبيات السياسة والإعلام في أميركا هي: الدعاية السرية (كوفيرت بروباجاندا).
الاستعارة من قاموس المخابرات
وكما ألمحنا فقد استعار دهاقنة الإعلام المؤيده للإدارة الأميركية الحالية هذا التعبير من قاموس الاستخبارات مرادفا كما نتصور لمعنى العمليات السرية في مجال التزويق الإعلامي..
وكأنهم بهذا ينفذون كود السلوكيات المعروفة في عالم الدعاية الإعلانية ويقضي ـ كما لا يخفى عليك ـ بشعار أن كل شئ وأي شئ قابل للبيع وللشراء تستوي في ذلك ـ للأسف ـ موديلات الأحذية وذمم السياسيين وأدوات المطبخ وتحقيقات الصحف وطروحات السياسيين والهدف من كل هذه العمليات من البيع والشراء هو طرح صورة.. مجرد صورة إيجابية ـ أو قد تبدو كذلك ـ للرئيس الأعلى ولأركان إدارته ومهما كان من سلبيات هذه الإدارة وسوء تصرفها فالبروباجاندا كفيلة بإضفاء توليفة من المساحيق والأصباغ والرتوش بحيث تختفي العيوب وتستتر السلبيات تحت هذا القناع من التجميل الزائف.
حكاية التقرير الجارح
لهذا توقف مراقبو المشهد السياسي الأميركي عند تقرير أذيع في آخر أيام سبتمبر بالعاصمة الأميركية وقد وصفته «نيويورك تايمز» بأنه «لاذع» بمعنى جارح لحكومتها الراهنة لأنه احتوى تحقيقات أثبتت أن إدارة الجمهوريين لم تتورع - كما يذكر التقرير ـ عن شراء معلومات وأخبار تتسم بالإيجابية وتصلح في تجميل صورتها أمام جموع المواطنين وخاصة في مجال السياسة التعليمية للرئيس بوش.
وأن عملية الشراء هذه لم تكن مسألة مجازية بل انطوت بالفعل على دفع مبالغ نقدية طائلة لعدد من المعلقين السياسيين (ذكرت من بينهم معلقا شهيرا هو أرمسترونغ ويليامز) هذا فضلا عن استئجار خدمات شركة كبرى للعلاقات العامة تقوم على تحليل التصورات والطروحات التي تنشرها ميديا الإعلام الأميركي بشأن اتجاهات وقيادات الحزب الجمهوري الحاكم.
مع ذلك علينا أن نلاحظ أن هذه المعلومات جاءت نتيجة تحقيقات أجراها مدققون ومراجعو حسابات ومحامون تابعون لهيئة مستقلة تضم عناصر من الحزبين الرئيسيين في السياسة الأميركية.. الجمهوري الحاكم والديمقراطي المعارض.. والمكتب المستقل يحمل لافتة تقول «مكتب المساءلة أو المحاسبة» بمعنى مراقبة نزاهة تصرفات المسؤولين عن الشأن العام وليس بمعنى المحاسبة التجارية المتعارف عليها. وهذا التقرير يتهم حكومة واشنطن بأنها «قامت» بنشر وترويج دعايات سرية على صعيد الولايات المتحدة وذلك إنتهاكا للحظر الذي يفرضه القانون على مثل هذه الدعايات.
وعود لم تتحقق
والطريف أن التقرير يورد نص تصريح أدلى به الرئيس بوش نفسه حين قال: «نحن لن ندفع شيئا لأي كاتب أو معلق في الصحافة أو التليفزيون من أجل تأييد برنامجنا في مجال التعليم. إن خطتنا قادرة على أن تقدم نفسها بنفسها».
وطبعا جاء التقرير الأخير ليؤكد أن ما حدث هو العكس.. وأن الأموال قد دفعت وأن مقالات قد نشرت في صحف كبرى وطبعا أعيد نشرها في عشرات من الصحف الصغرى والمحلية وكلها تصور الأمر على أن وزارة التعليم ـ الجمهورية الراهنة قد حققت نجاحات غير مسبوقة..
دع عنك ما دفعوه أيضا لإذاعة فيلم متلفز عن هذه الإنجازات اختتموه بصوت المذيعة الراوية التي تقول في اعتزاز دعائي لا تحسد عليه: وبهذا يكون برنامج الرئيس بوش قد استحق من حيث مستوى الإنجاز درجة ممتاز مع مرتبة الشرف وهي نفس الدرجة الرفيعة التي منحتها برامج متلفزة أخرى لإنجازات البيت الأبيض ومعاونيه في مجال الرعاية الصحية. ويلاحظ أن نيويورك تايمز في عددها الصادر أول أكتوبر الحالي قد أفردت حيزا كبيرا لنشر هذا التقرير والتعليق عليه.
كما حرصت الصحيفة الكبرى على إيفاء السيدة مرغريت سبلنغز حقها بوصفها أحدث وزيرة لشؤون التعليم انضمت الى إدارة بوش في مطلع العام الحالي. وفي هذا السياق ذكرت التايمز أن الوزيرة شعرت بالاستياء فور علمها بحكاية المدفوعات للصحافيين وشركات العلاقات العامة ثم وصفت هذه الدعايات السرية المدفوعة بأنها «أعمال غبية وخاطئة وناجمة عن سوء المشورة»، مؤكدة على ضرورة اتخاذ كل ما يلزم لعدم تكرار هذه الأخطاء في المستقبل.
مبدأ التوازن والمراقبة المتبادلة
ونظن من جانبنا أن مجرد الكشف عن هذا النمط من أنماط التضليل الإعلامي ـ باستخدام عمليات البروباجاندا السرية ـ يشكل في التحليل الأخير سلوكا صحيا ومفيدا، وبما من شأنه أولاً أن ينعكس إيجابيا على عافية العملية الديمقراطية من حيث مواصلة إطلاع الناس.. جماهير المواطنين العاديين على ما يتم تحت السطح وما يحاك في أقبية الدعاية ودهاليز الإعلام.
وهو يفيد كذلك في تفعيل المبدأ المحوري الذي تعتز به لعبة الديمقراطية في أميركا وفي غيرها وهو مبدأ التوازن والمراقبة المتبادلة الذي يقوم على اساس الفصل أولا بين السلطات الحاكمة في أي بلد ما بين التشريعية والتنفيذية والقضائية وهو ثانيا الحفاظ على نوع من التوازن بين تلك السلطات بمعنى أنه ليس مجرد سكوت سلبي متبادل بين سلطة وأخرى بل إنه توازن إيجابي دينامي ينصّب كلا من تلك السلطات مراقبا لتصرفات السلطة الأخرى ورقيبا عليها في إطار موضوعية السلوك الديمقراطي، وهو ثالثا يستخدم كأداة لتحقيق وتفعيل هذا كله وسيلة الصحافة بكل ما يسع الميديا الإعلامية من وسائل وسبل وآ��يات ومكانة في نفوس المتلقين.
بهذا يمكن تحقيق مبدأ الشفافية ـ الجلاسنوست كما يقول الروس ـ وبهذا تصبح الصحافة بحق مرآة المجتمع وضمير الأمة وصوت من لا صوت له.. وبحيث تستحق عن جدارة لقب صاحبة الجلالة السلطة الرابعة في المجتمع المتحضر.
كاتب مصري ـ خبير في الإعلام الدولي