بين الهبوط المدبر للرئيس الأميركي جورج بوش على متن السفينة الأميركية قبالة سواحل كاليفورنيا ببزته العسكرية معلناً انتهاء المهمة في العراق في مايو 2003 وبين الحديث المرتب بعناية فائقة الذي نظمته العلاقات العامة في البنتاغون للرئيس مع أفضل عشرة بواسل من جنود المارينز المرابطين في العراق منذ أيام قليلة عبر الأقمار الصناعية ذاكرة حافلة بالأحداث والدماء وعشرات آلاف القتلى من الأطفال والنساء والكهول الذين قتلوا في منازلهم .

ومساجدهم وفي سعيهم لتحصيل قوت يومهم، تلك الذاكرة التي صدقت في لحظة ضعف شديدة أن هذا الدخول إلى بلاد الرافدين سيحمل لها السلام والوئام ويحرر بابل من الدكتاتورية التي كانت رابضة على صدرها.

إن التمارين التي مارسها العراقيون حتى الآن على الديمقراطية كانت مكلفة جداً حيث دفع ثمنها غالياً من لحمه ولحم أطفاله، وهي إن استمرت على هذا المنوال فهي فاجعة العصر بامتياز، إذ لا يعقل أن يستمر هذا القتل المجاني المخيف، بلا أفق.

وبلا سبب، كما لا يمكن أن نعرف أن الشعب العراقي الذي يستند إلى حضارة عريقة عمرها الستة آلاف عام يمكن أن يقع ضحية الفتنة المذهبية التي يحكى عنها أو يدبجها أصحاب السيناريوهات المركبة له.

الجميع يعتقد: البسطاء من العامة والعقلاء من الخاصة، والعابثون بمصائر الشعوب إن الشعب العراقي يحمل إرثاً عظيماً في الحضارة والبناء وهو أكبر من أن ينصاع بسهولة لآفة الفتنة التي تستهدف قتل وحدته التي يجاهر بها بامتياز، وتستهدف عزته وكرامته، وتريد له أن يكون ضعيفاً منقسماً على نفسه.

إذا كنا نريد أن نبحث الأسباب والنتائج التي أفضت إلى هذا الواقع المجنون فإننا نستطيع أن نجد عشرات الأسماء التي نعلق عليها الاثام والخطايا والرزايا التي أدت إلى ما هو عليه هذا الواقع ونستطيع أن نحمل النظام الديكتاتوري السيء الذكر كل هذه الأوضاع ولكننا الآن نحن أمام مصير شعب في مهب الريح .

وليس هذا الشعب وحده، بل لنقل المنطقة بأسرها التي تقف أمام هذا المصير المجهول، ولهذا فإن العراق الذي منه يأتي دائماً الترياق، تنتظر شعوب المنطقة أن يأخذ المبادرة بالوحدة والخروج من عنق الزجاجة التي وضع بها منذ ثلاثة عقود ولما يزل مسجوناً بها.

القضية أبعد من أن تكون خاصة لهذه الفئة أو تلك في هذا الدستور أو ذلك القانون، القضية قوامها إن مصير المنطقة معلق بمصير العراق.

ولا مبالغة في القول إن التاريخ الذي بدأ من سومر، كما قال صاحبنا كريمر، مرهون من جديد بهذا التاريخ الذي عليه يتوقف وحده إبداع مخرج لائق يحفظ لهذا الشعب كرامته بمعزل عن مساعدة عربية من هنا أو مساعدة دولية من هناك.

يفرحنا جميعاً أن العراقيين يحتكمون إلى صندوق الاقتراع لتحديد دستورهم وحكومتهم ودولتهم ويسعدنا أكثر أن تعمد الدول العربية إلى الاحتكام إلى هذه العادة الجميلة ولكن ما لا يسعدنا ولا يفرحنا أن يبقى الاحتلال رابضاً على صدورنا يتحكم بمصائرنا ويسير أمور حياتنا، فنصبح لاجئين خارج الديار.

كما هو الشعب الفلسطيني الذي يواجه الكارثة وحيداً بعدما انفض من حوله معظم الداعمين، لأن معظم الداعمين والمساندين أصبحوا مثله مهددين في أوطانهم كما هو حاصل الآن في العراق، الذي كان واحداً من الساحات التي تدعم نضال الشعب الفلسطيني في كل الميادين.

ولكن سيظل الأمل معقوداً على العراق، مهما تعددت السبل والأنواء، فهو الطريق وهو الحلم الذي نهتدي به عندما تدلهم الخطوب والمحن.