ثمة وجه مشرق للإسلام أسس للنهضة الحضارية العربية الوسيطة وللثقافة العربية المتسامحة، وضمن للإسلام نفسه نقاءه وبقاءه، بل امتداده وانتشاره،انه «إسلام القرآن» الذي جعل المدني يتنازل لأخيه المكي عن أحد بيوته لو امتلك اثنين، والأنصاري عن إحدى زوجاته للمهاجر الذي ترك مكة إلى المدينة بلا مال أو زوجة نصرة للدين الجديد الذي أخذ من المؤمنين أموالهم وأنفسهم ليمنحهم روحانية جديدة متسامية تتجاوز كل ما أنتجته الفلسفات من أفكار حتى أكثرها طوباوية، والأديان السابقة من مثاليات رغم كل ملكاتها التسامحية.

بل إنها تكاد تسمو على القدرة الإنسانية نفسها لو لم يقم هذا الدين الحنيف بإعادة صوغها بفطرته النقية هاديا بها ولها أمجد وأمضى طبيعة بشرية عرفها التاريخ الإنساني، تلك التي مكنت البدوي العربي من الانطلاق سريعاً على طريق الحضارة البشرية بعد جيل واحد من بعثة الرسول الكريم، ومن ريادة هذه الحضارة بعد أجيال قليلة وعلى شتى مستوياتها فبلغ بها ذروة العقلنة الفلسفية في عصر المأمون العباسي بعد أن كان قد بلغ ذروة التوسع السياسي في عصر أبيه هارون الرشيد.

وذلك لأن الروحانية الإسلامية الحقة قد كرست لدى العربي المسلم حب العمل وجعلته نوعا من الإيمان، وحب التضحية لدرجة الفداء، وأسرت له بالمعنى الحقيقي للجهاد الذي يبدأ بجهاد النفس والانتصار عليها ثم جهاد التاريخ بالمعرفة والتنظيم حتى ينفتح الطريق إلى كل نصر وعلى كل عدو، وعلى رأسهم التخلف والضعف والتمزق.

غير أن توالى الأيام، وتغيرات العصور قد وأدت هذه الروحانية المتوهجة بفعل الطبيعة البشرية وما فيها من سوءات، ولها من هنات أخذت بزمام العرب المسلمين لتذكي بينهم الفتن، وتقتل لديهم الهمة، وتثير لديهم الشهوات فيركنون إلى الدعة بعد الجهاد، والسفه بعد الزهد، والظلم بعد العدل، وإذا بإسلام القرآن يذبل أمام «إسلام السلطان» الذي أفرزته لتعيش به

ومن خلاله الثقافة السياسية العربية منذ عشرة قرون على الأقل حيث ساد فقه متحالف مع نخبة الحكم القبلية ثم الرعوية المنتمية إلى غير جذور عربية والتي فرطت في العدل الذي هو أساس الملك وعاشت على الجباية، وقمعت الاجتهاد فذبل نور العلم ثم مشعل الحضارة،بعد أن وأدت الشورى على أيدي الفقهاء الذين برروا «السلطان الغشوم» بالخوف من «الفتنة التي قد تدوم» حتى جعلوا ستين عاما طوالاً من سلطان جائر أهون على الأمة من «ليلة بلا سلطان».

فلم يعد هناك طريق لمراجعة سلطة فكانت الهزائم والانتكاسات والتمزقات موجات بعد موجات ليس الغرب المعاصر إلا آخرها منذ أدركت أوروبا حداثتها فأخذت ترمينا بموجاتها الاستعمارية المتلاحقة وآخرها الموجة الصهيونية، وحتى الولايات المتحدة التي ورثت أوروبا كحيوية جديدة للغرب تدافع عن مثل حداثته السياسية قد أغراها ضعفنا فأخذت ترمينا بمشروعاتها للتغيير والتهذيب والإصلاح.

وإزاء الشعور بالهزيمة أمام الدنيا والإحباط من الزمن يخرج من إسلام السلطان دوماً إسلام آخر يؤجج الواقع بالعنف ويدميه بالإرهاب أنه «الرفض والعنف» الذي يعدو استمرارا عبثيا لظاهرة الخوارج التي طالما أفرزتها الثقافة العربية المشبعة بالتيارات الباطنية في لحظات التأزم وعند الشعور بالوهن والتي يكشف منطق عملها تاريخيا عن استعداد

مؤكد للتفجر في مواجهة الخارج لا يفوقه سوى قدرتها على تحمل آلام الاستبداد في الداخل، ذلك أنها تقوم على دين مذكر حسب تعبير أحد المستشرقين، يحفل بروح جهادية عالية كما يرى الفقهاء، ويقيم رؤيته للتاريخ على أساس من رؤية للوجود شديدة التوازن والتكامل بين الشاهد والغيب فيما نتصور.

ويخطئ من يتخيل أن إسلام الخوارج بالغ العنف والكفاحية والذي يملأ الأرض بالدماء ويجر على المجتمعات العواصف، هو نقيض لإسلام السلطان بالغ المهادنة والنازع دوما إلى المهادنة والتكيف مع كل أمر واقع، فليس ذلك إلا ظاهريا، أما في الجوهر فهما قرينان، أحدهما يؤدي إلى الآخر.

أولهما يقود المجتمعات العربية إلى الضعف، والثاني يجعلها في مهب رياح الاستهداف إذ يؤلب عليها المجتمعات الأخرى كما حدث في سبتمبر، إما لأنه ارتكب الحدث الكارثي فعلاً، وإما لأنه خلق النموذج القياسي أو الصورة الذهنية التي تربط العنف بالإسلام نتيجة للخبرات المتراكمة التي تشي بقدرة تيار نحيف وهامشي على اختطاف الثقافة العربية واحتكار حق التعبير عنها على تعدد تياراتها،

ولأن هناك من يريد اغتيال الثقافة والمجتمعات العربية ويجد فيه حليفا ومبرراً مثالياً، ولأنه في التحليل الأخير، ككل الأشياء العفنة نفاذ الرائحة يعيش في مياه راكدة لا تنبت سوى الطحالب والفطريات.ومن ثم فلا سبيل إلى إزالته واستعادة ثقافتنا العربية من براثنه إلا بإعادة بناء إسلام القرآن الذي طمس حضوره منذ سادت عصور الضعف والتخلف، وليس بإحياء الخلافة الإسلامية، ولا بالسجال حول المكي والمدني،

ولا باستحضار مفردات دار الحرب ودار الإسلام، وإنما عبر ذلك اللقاء المؤجل والتلاقي الضروري بين نخبة الحكم ونخبة الفكر حول معادلها الموضوعي/المعاصر أي الجهاد العلمي والتاريخي والحضاري بوسائل وأدبيات التنمية البشرية والتكتل الإقليمي على طريق التحرر والنهوض والتغيير الشامل ولكن المستقل والذاتي الوطني والقومي.

كاتب مصري