عندما نكون شبابا ومحدودي الثقافة، مع خبرة في الحياة ليست بالعمق الكافي، كثيراً ما نرى الأشياء إما بشكل ضيق أو نراها من منظور معتقداتنا ونحاكمها بناء على هذه المعتقدات. كذلك فإن تلك المرحلة متسمة برؤية الأشياء من منطلق تضادي، أي إما أبيض أو أسود أو خير أو شر، وتكون هذه هي الرؤية المسيطرة علينا.
هذا ما أدركته عندما قرأت رواية الكاتب الألماني هرمان هسه «سد هارتا» قبل سنوات طويلة، وهي رواية أحدثت لي هزة في المفاهيم وزعزعت لي الكثير من المعتقدات التي كنت أستند عليها. لقد علمتني تلك الرواية، على سبيل المثال، أن الخير والشر ليسا صفات مطلقة في الإنسان؛ وعلمتني أيضا أن تجربة الحياة، مع التعمق في تلك التجربة، هي التي نبني عليها معتقداتنا الحقيقية وآراءنا، وأننا لا نتعلم من تجارب الآخرين مثلما نتعلم من تجربتنا.
علمتني تلك الرواية أيضا أننا لا نستطيع أن نجعل من أبنائنا نسخة منا، بل إن لهم في الحياة رؤاهم ومعتقداتهم التي يكتسبونها بأنفسهم ومن خلال تجربتهم الخاصة في الحياة، وأن علينا أن نتقبل منهم اختلافهم عنا، لأننا نحن أيضا اختلفنا عن آبائنا وأمهاتنا في الكثير من رؤانا. كما أننا لا نستطيع أن نعطي أبناءنا خلاصة تجربتنا نحن في الحياة بل من حقهم هم أيضا أن يعيشوا تجاربهم وأن يصلوا إلى براهينهم من خلالها. وفي الواقع هذه ليست بمسألة سهلة وذلك لسببين:
الأول نحن نعتقد أننا وصلنا إلى اليقين فيما وصلنا إليه من خبرات، وبالتالي لزم على أبنائنا أن يتقبلوا آراءنا بشكل مطلق.
والثاني أننا نحاول أحيانا أن نجنبهم العثرات والخيبات التي قد تصادفهم في حياتهم نتيجة لتركهم يجربونها هم بأنفسهم، وفي هذا ننسى أن الإنسان إنما يتعلم من تجاربه هو وليس من تجارب غيره، وأننا لو أخضعناهم لنا بما نملك أحيانا من سلطان عليهم، فإنما نحن ندخلهم في الحياة بنفوس هشة ولا تستطيع مواجهة الصعاب التي تمتلئ الحياة بها.
بالطبع لا تمتلك كل الكتابات المقدرة أن تثري دواخلنا أو أن تجعلنا نعيد النظر فيما أسسناه من أفكار في أنفسنا، أو أن تجعلنا ندرك أن آراءنا مربوطة بخبراتنا في الحياة، وأن تلك الخبرات تشكل لنا ما يشبه المرشحات التي نرى العالم من خلالها.
قليلة فقط هي الكتابات التي تجعلنا نتوقف قليلا لنعيد النظر فيما تعلمناه، أو تلك التي تواجهنا بحقيقة أن رؤانا في الحياة ربما تكون بحاجة للمراجعة. مثلما هو الأمر صعب أكثر في التخلي عن المعتقدات، وبخاصة تلك التي عاشت معنا فترة طويلة من حياتنا، إذ هو ليس بالأمر السهل أو نستطيع تطبيقه بالسهولة التي نتحدث بها حوله،
لأنه في الحقيقة من الصعب علينا أن ندرك أن لنا رؤية في العالم ربما لا تكون هي الرؤية الصحيحة، أو أن ندرك اننا نرى العالم بشكل ربما يختلف كثيرا عن الشكل الذي يراه آخرون، وأنه ليس لنا أو لهم الحق في الاعتقاد بأن ما نراه من خلال تلك الرؤية هو الصواب المطلق.
والسبب الأساس يعود إلى أن الإنسان يألف الأشياء من حوله مثلما يألف ما في داخله فيركن ويستريح إليه. وهنا تأتي صعوبة الإحساس بأن ما عشنا به من أفكار فترة طويلة من حياتنا ربما لا يكون صواباً مطلقاً، وبالتالي أن علينا أن نواجهه وأن نبدل فيه، لأن هذا يعرضنا إلى التعامل مع معتقدات جديدة تحدث ما يحدثه هيجان البحر في دواخلنا وتمنحنا قلقا واضطرابا.
لكن هذا لا ينفي أن من الضروري أن نتعرض لمثل تلك الهزات حتى ندرك أننا ما زلنا نتعلم وأنه لا سبيل إلى الوقوف أو الركون إلى أننا وصلنا للحقيقة. وهذا أمر في الحقيقة لا ينفي قبولنا بأن هناك مرتكزات أو حقائق موجودة في الكون منذ الأزل، وأن علينا إدراكها والإيمان، كونها من الأشياء التي أثبتتها خبرات البشر على مر الأزمان، وبالتالي ما هو مطلوب منا هو الوصول إليها بسلك الدروب التي نمشيها نحن في حياتنا، لا أن يمشيها لنا آخرون.
تغيير المعتقدات، كما قلت ليس بالأمر السهل، لكنه بطبيعة الحال أفضل بكثير من الوقوف عند يقين أن ما نعرفه هو الحق المطلق، وأن الآخرين ربما لم يصلوا بعد إلى الإدراك الحقيقي لجوهر الحياة مثلما وصلنا نحن. فكل إنسان في واقع الأمر، وهذا يشملنا، يصل إلى جزء من الحقيقة، وليس إلى الحقيقة كاملة، وذلك فيما يتعلق بالادراك المطلق للحياة.
ولعلهم قلائل اولئك الذين أدركوا أسرار الكون وعاشوا وفق هذا الادراك، وهم من يعلمنا أن نعرض ما نعرفه عن أنفسنا وعن العالم دائما للمساءلة. لأنهم مدركون ومؤمنون أن الإنسان إنما يرى الكون وفق تجربته الشخصية، وأن هذا الإدراك تتخلله أحجبة كثيرة يعود بعضها إلى حقيقة أن النفس البشرية محكومة في غالب الأحيان بأهوائها ومصالحها، ومن ثم فقد يكون الذي تراه وهم مطلق، وليس حقيقة مطلقة.
إن الحياة مع السؤال أجمل بكثير من حياة الركون إلى الظن أننا وصلنا إلى قمة المعرفة، ربما لأن الأمر في الحقيقة يعود إلى أن المعرفة ليست لها قمة، وإن ما نفعله إنما هو ضرب في أرضها نتوخى من خلاله الوصول إلى يقين يريح دواخلنا، وليس هذا اليقين، في اعتقادي إلا الإيمان بأن ما نجهله أكثر بكثير مما نعرفه، وأن من طبيعة الكون التغير، وبالتالي فإن علينا أن نكون منفتحين على قبول تقلبه، وتقلب نفوسنا كذلك.
جامعة الإمارات