تعاني بعض المجتمعات والدول من ظاهرة الجماعات المتطرفة دينياً وسياسياً، تلك الجماعات التي أصبح زعزعة أركان النظام السياسي في بلدانها هدفاً محورياً في تفكيرها، لا تتنازل عنه إلا نادراً، ونادراً هذا غالباً ما يتحقق عندما تحصل هذه الجماعات على مبتغاها، خاصة تلك التي يكون هدفها الانفصال والاستقلال. أما صاحبة الايديولوجيات السياسية، فحكايتها لا تنتهي عادة إلا نهايات دموية، مأساوية، كما نتابع ونرى.
يتصدى كتاب «لماذا يتمرد البشر»؟، لمؤلفه «تيدغير» لدراسة الدوافع الحقيقية لظاهرة استعداد الناس لزعزعة أركان النظام السياسي عن طريق العنف، محاولاً الإجابة عن الأسباب المولدة لهذا الاستعداد ومداه وآلياته وعلاقاته بالحرمان الاقتصادي والكبت السياسي، ومدى أهمية وعلاقة الدوافع النفسية والاجتماعية بالعنف الجماعي، كما يفحص الكتاب بدقة مفهوم الحرمان وارتفاع مستوى التوقعات لدى البعض، وعدم حصولهم على ما يتوقعونه، وما يصاحب ذلك من غضب واحتقان قد يوفر أرضية صالحة لاندلاع العنف!
هذه الدراسة القيمة التي أصدرها مركز الخليج للأبحاث العام 2004، تأتي في إطار البحث العميق لظاهرة العنف المتنامي داخل بعض المجتمعات، وفشل دول ذات مستويات قوة خارقة كالولايات المتحدة في التصدي لظاهرة الإرهاب ذلك أنها اعتمدت في مواجهتها على منطق القوة والحرب العنيفة الشرسة، وليس على أساس التوازن وفهم الدوافع، وبالتالي إيجاد حالة من التوافق داخل المجتمع تمنع حدوث أي عنف مستقبلي، خاصة حين يتخذ هذا العنف من الدين أرضية له.
ليست الولايات المتحدة وحدها، وإنما هناك مجتمعات كثيرة لا تزال مصرة على مواجهة توقعات الناس العاديين والنخب السياسية والمثقفة بمزيد من الإحباط والتجاهل تماماً كما يحصل في كثير من دولنا العربية ما يرفع إمكانية المواجهة بسبب تدني فرص تحقيق تلك التوقعات، وبالتالي الدخول أكثر وأكثر في العنف والمواجهات والقطيعة، في الوقت الذي نجد مجتمعات أخرى كانت أكثر ذكاء في التعامل مع الموضوع، حين تمكنت من توفير فرص ومناخات ملائمة من العمل والانفتاح والتعبير عن النفس لامتصاص حالات القلق والتوتر والحرمان.
إن استعداد الناس للتمرد والعنف استعداد فطري، إذا توافرت له الأرضية المناسبة، خاصة في ظل التفاوت الطبقي الاقتصادي بين الناس في أغلب المجتمعات، وهي الظاهرة الأقدم في تاريخ الإنسانية، ما جعل السخط والتململ والثورة على الأنظمة القائمة والراعية لهذا التفاوت أمراً محتمل.
على أي حال فإن الكاتب قد نجح تماماً في سرد تطور الظاهرة، ظاهرة العنف وآلياته، وأجاب عن السؤال القديم والمهم جداً: لماذا يتمرد البشر؟! وعليه فكتابه جدير بالقراءة، ومركز الخليج للأبحاث يستحق الشكر على قيامه بترجمته وبشكل متقن.
sultan@dmi.gov.ae