سأبدأ من حيث سينتهي المقال، لا بد أن نراجع حساباتنا سريعاً، فليس هناك متسع من الوقت فقد أصبحت الإمارات اليوم ونتيجة للانفتاح الاقتصادي السريع معرضة للنقد وللمراقبة الدائمة من قبل منظمات عديدة، والعم سام لن يألو جهداً في تهذيب العالم وتأديبه، وهاهو يتدخل في كل دولة بالطريقة التي تناسبها وتلائمها.
وعليه وجب تحصين الداخل جيداً في مختلف المجالات ومنها مجال الإصلاح البرلماني. موضوع المقال مقتصر على هذا المجال خاصة في شقه البرلماني، وأتمنى أن لا يفهم من حديثي الحديث الذي دار بين ابن السماك وجاريته عندما تكلم ابن السماك يوماً وجارية له تسمع، فلما دخل عليها قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قالت ما أحسنه لولا أنك تكثر ترداده!قال: إنما أردده ليفهمه من لم يفهمه. قالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه قد مله من قد فهمه!.
ويبدو أن الحديث في إصلاح المجلس الوطني قد مله من فهمه فما بالك بالذي لم يفهمه بعد. ما دعاني استذكر هذا الحديث، صدور التقرير الاستراتيجي الخليجي في عدده الأخير، حيث أفرد فصلاً كاملاً عن سير البرلمانات الخليجية بشتى أطيافها وهياكلها واختصاصاتها والصلاحيات الممنوحة لها، وتوصل في نهاية الفصل إلى نتيجة مفادها أن البرلمانات لا تعتبر شراً مطلقاً بل ضرورة وطنية تقتضيها الأخطار الناتجة عن العولمة والضغوط الخارجية وازدياد العنف وتنامي المطالب الداخلية.
ويبدو من خلال قراءة التقرير أن معظم البرلمانات الخليجية شهدت تطوراً ملحوظاً ولو كان نسبياً حسب تقدير عام 2004 فالكويت صاحبة تجربة عريقة في هذا المجال، البحرين أخذت بنظام المجلسين، الشورى المعين والنواب المنتخب وحتى سلطنة عمان الشورى المنتخب ومجلس الدولة المعين، وها هو الدستور القطري المستفتى عليه يعلن عن تأسيس مجلس شورى منتخب في جزء منه.
وتبقى المجالس البرلمانية ولو كانت صلاحياتها مقلصة أهم لأنها ستمارس الأدوار المهمة في الحياة السياسية من خلال فهمها الواسع لأدوارها. التطور الآخر الذي أشار إليه التقرير يتمثل في الصلاحيات التشريعية الممنوحة لبعض المجالس، فالبرلمان الكويتي وحتى مجلس النواب البحريني وكذلك الشورى القطري، منحت دساتير هذه الدول الثلاث مجالسها صلاحيات تشريعية ورقابية لا بأس بها وذلك من خلال تشكيل لجان للتحقيق وطرح الثقة بالوزراء،
وبالفعل شهدت الساحة البرلمانية في الكويت والبحرين العديد من استجوابات الوزراء وفي بعض الأحيان كادت تطيح بهم لولا تدخل الحكومة بأغلبية تضمن استمراريتهم. يبقى التطور الأخير الذي رصده التقرير وهو كفاءة الأعضاء المعينين وهذا ما نراه في مجلس الشورى السعودي، فمجلس الشورى صحيح إنه ما زال محدوداً في صلاحياته التشريعية،
حيث أن الأدوار المنوطة به لا تتعدى سقف المناقشة وإبداء الرأي في قرارات السلطة التنقيذية والوزارات والدوائر الحكومية، إلا أن ما يميزه التركيبة النوعية لأعضائه فهو الأكثر من ناحية وجود وتكدس الكفاءات البشرية ونسبة الحاصلين على شهادات علمية فوق جامعية. حيث يبلغ عدد حملة شهادة الدكتوراه ما نسبته 65% من مجموع أعضاء المجلس، وحملة الماجستير 6,16%، والبكالوريوس 4,18%.
قد تعتبر هذه الأرقام قراءة شكلية ولا تعكس مستوى الأداء البرلماني، كون معظم الأعضاء من ذوي التخصصات العلمية والمهنية وممن اختبروا في الولاء وتدرجوا في وظائف الدولة على فترات طويلة من الزمن ولا يوجد بينهم سياسيون أو معارضون تعكس جدالاتهم ألوان الطيف السياسي بالمملكة. إلا إنه على الأقل يمكن اعتبارها مميزة تميز المجلس قياساً بمجالس أخرى.
في الوقت نفسه لا يمكن كذلك إغفال التطورات الإصلاحية التي شهدتها السعودية من انتخاب جمعية للصحافيين لأول مرة، وانتخابات المجالس البلدية التي عمت أرجاء المملكة من شمالها إلى جنوبها، بالإضافة إلى العرائض الشعبية التي تقدم باستمرار وتطالب بالإصلاح، فكل هذه المؤشرات تدل ربما على مشروع إصلاح سياسي لمجلس الشورى في المستقبل. وفي الإمارات التي لا تزال تركيبة أعضاء المجلس لا تعكس الحراك التعليمي والثقافي في الدولة.
ان الإمارات تشهد نهضة اقتصادية متميزة بين باقي دول الخليج حتى أصبحت قبلة الخليجيين الأولى. آلية الحديث الدائرة حول إصلاح المجلس الوطني تبدو ظاهرياً إنها لا تنطلق من برنامج ينظم هذه المطالبة ويستمر في ذلك. فالأحاديث الدائرة حول الإصلاح موسمية تشتد رياحها لسبب ما في فترة من الفترات، ويصيبها الركود في معظم فصول السنة،
فالمواطن يبدو أنه لا يعنيه الموضوع لا من قريب أو بعيد، فهو إما أصيب بحالة من عدم الاكتراث أن يبتعد عن الموضوع، أو إنه منشغل في أمور حياته ومعاشه خاصة بعد موجة ارتفاع الأسعار وحمى الأسهم التي باتت تنتشر في الآونة الأخيرة. وعليه لا يمكن أن نتأمل شيئاً ما أن يحدث لتطوير أداء ودور المجلس الوطني طالما أنه لا يوجد شعور بالحاجة لمثل هذا الإصلاح.
كاتبة إماراتية