تُعدّ القراءة إحدى الوسائل (التقليدية) المؤثرة تأثيراً فعّالاً في الرقيّ بالأمم، والنهوض بالحضارات. وعلى الرغم من (تقليديّتها) إلا أنها لا تزال الأساس الذي ترتكز عليه معظم الوسائل الأخرى، المعتمَد عليها في قيام الحضارات، وعلوّ نجم أمة دون أخرى.

وإذا أمعنا النظر فيما حققته الدول المتقدمة من تطورات علمية على مستويات مختلفة، فإننا نجد أنها لم تحقق شيئاً من ذلك بمنأى عن فعل (القراءة)، الذي يتضمن قراءة آثار الماضي (التراث الإنساني عامة، للإفادة منه، والبناء عليه)، وقراءة الحاضر (متابعة ما يستجدّ آنياً)، وقراءة المستقبل (وضع الافتراضات لما هو آت، وبناء التوقعات على أساس ما هو قائم وموجود).

إن قيمة القراءة، أو أهميتها، ليست مما يخفى عن ذهن أي إنسان، عربي أو غير عربي، لكن المتأمل في مكانة هذا الفعل، والموقف منه بيننا وبين غيرنا من الشعوب، لا بد أن يرى تبايناً بيّناً في مستوى تمثُّل بدهية كهذه سلوكاً وفكراً. إننا لا نزال، إلى اليوم، نستشعر فجوة بيننا وبين أداة المعرفة والثقافة الأولى (الكتاب)، ويظن كثير من أفراد مجتمعاتنا أن هذه الأداة المعرفية المهمة خاصة بفئة معينة من فئات المجتمع، هي فئة المثقفين، أو الأكاديميين، أو الأدباء والكتاب، أو شيوخ الدين، أما بقية أفراد المجتمع، فلا علاقة لهم بالكتاب، أو بالقراءة عامة.

وفي المقابل، وعلى الرغم من رفضي فكرة مقارنة ما لدينا بالآخر، إذ ليس لدينا ما يمكن أن نصبح به في موضع مقارنة مع طرف يقوم بتزويدنا بمختلف احتياجاتنا، إلا أننا نجد ذلك الآخر، بمختلف فئاته وتصنيفاته، مدركاً أهمية القراءة، وقد انعكس ذلك الإدراك على سلوك أفراده، فلا يكاد يُرى فرد منهم إلا وهو يمسك بين يديه كتاباً، في أي مكان أو وضع كان.

إن مما يُؤسَف له هو أننا لا نأخذ من الآخر إيجابياته التي لا تُحصى، ولا نستورد منه إلا ما يمكن أن يزيدنا ترفاً على ما نحن فيه من ترف، في حين نغفل استيراد عاداته الصحيحة، والجوانب الإيجابية التي يمكن أن تجعل منّا شعباً منتجاً للعلم، ومصَدِّراً للمعرفة، ومؤثراً تأثيراً إيجابياً في الخارطة العالمية، التي ننتمي إليها.

لقد نجح الآخر فيما وصل إليه على مختلف الصعد، لأنه أدرك أن إنتاج المعرفة، والكتاب صورة من صورها، تجارة لا تبور، وشجرة تؤتي أكُلَها طيباً، ولو بعد حين. وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن هذا الجانب قد أخذ حقّه من الاهتمام والعناية عندنا بعد، بل لا يزال مهمَلاً،

وكأنه من سقط المتاع، على الرغم من معرفتنا التامة بعدم قدرة أمة على النهوض والارتقاء إلا على أساس قوي وثابت من الثقافة الأصيلة، التي تقوم أولا بتشرّب ما هو موجود، وتمثُّله واستيعابه، ثم بإعادة إنتاج ما هو منتَج، تقليداً ومحاكاة، وأخيراً، خوض غمار عملية الإنتاج الحقّ، الذي يقدّم نتاجاً يتميز بالأصالة، والإبداع، والابتكار.

ولا عجب، والحال هذه، أن نلحظ عزوف معظم أفراد الجيل الموجود الآن في مقاعد الدراسة، من الابتدائية إلى الجامعية، عن القراءة، لأننا لم نعمل في الأساس على خلق الألفة بينه وبين الكتاب، بل إن كثيراً من المظاهر المحيطة بنا تدل على أن خلق هذه الألفة بين أفراد المجتمع ومصدر المعرفة الأول بلا منازع حتى في عصر المعلوماتية الرقمية، كان ولا يزال ساقطاً من حساباتنا. وسأتوقف، في هذه العُجالة، عند ثلاثة مظاهر واضحة، على سبيل التمثيل:

الأول: ندرة المجلات العلمية المتخصصة والجادّة على رفوف المكتبات، أو رفوف القسم الخاص بالمجلات في محلات التسوق العامة، مقارنة بما هو متوفر من مجلات خاصة بالمرأة، والديكور، والطبخ، وعالم السيارات، .. إلخ. ويحتاج الباحث عن مجلة متخصصة، في الآداب أو العلوم المختلفة، إلى بذل كثير من الجهد والوقت للحصول عليها.

الثاني: تواضع عدد المكتبات العامة، المخصصة للقراءة، في أي إمارة في الدولة، مقارنة بعدد المقاهي، والمجمعات التجارية. والملاحظة ذاتها تنسحب على المسارح، أو على أي مظهر من مظاهر الثقافة، التي تكاد تكون مغيّبة إذا قورنت بما سواها من المنشآت الأخرى، والتجارية خاصة.

الثالث: عدم وجود قاعات قراءة ومطالعة في كثير من مدارسنا، وحصص القراءة غالباً ما يُساء توظيفها من قِبَل معلمين ومعلمات غير مؤهلين لذلك، لأن القراءة أساساً ليست من صميم اهتمامات معظمهم، لذلك، يقوم المدرس، أو المدرسة، بالقراءة نيابة عن التلاميذ، اختصاراً للوقت، فالتلاميذ لا يستطيعون قراءة النص كاملا، وسيستغرق ذلك وقتاً طويلا، بالإمكان اختصاره بالقراءة نيابة عنهم!

وبهذا، ينشأ لدينا جيل، لم يألف القراءة، ولا نبالغ إن قلنا إنه ينفر منها، خاصة عندما يتذكر الحصص المملّة التي كان المدرسون يقومون فيها بالقراءة الآلية، دون تفاعل مع مضمون النص، ودون الاهتمام بأن يتفاعل التلاميذ معه، وتكون النتيجة نمو جيل يُجمِع، في شبه اتفاق ضمني بين أفراده، على إقصاء القراءة، والكتاب.

وفي ضوء هذه المظاهر وغيرها، يجب أن نعمل على تقليص الفجوة بين أفراد مجتمعنا والكتاب، وأن نسعى لخلق الألفة المفتقدة بينهما، بانتهاج سياسة تضع نصب أعيننا هدفاً محدداً، هو بذر حب القراءة في نفوس الناس، ليس الشباب وحدهم، بل جميع أفراد المجتمع، لأن القراءة يجب أن تكون كالماء والهواء لجميع من يعيشون على هذه الأرض الطيبة، وألا نكتفي بأن تصبح هواية، بل يجب أن تصبح عادة وجزءاً أساسياً من نمط حياتنا،

بحيث تشكل متعة حقيقية تهفو أرواحنا إليها في كل وقت وحين، لا أن تكون فرضاً، يتجرّعه الفرد منّا، كبيراً كان أو صغيراً، وهو مضطر إليه اضطراراً، رغبة في ثواب، أو رهبة من عقاب. وقبل ذلك، يجب أن تتغير نظرتنا إلى (القراءة)، وأن تتخذ آليتها شكلا جديداً يتناسب مع التطور الذي تعيشه الدولة منذ ربع قرن خلا من الزمن.

جامعة الإمارات