مع غروب شمس القرن الماضي.. فتح القوم بورصات التقييمات والتوقعات وأقاموا المنصات لإطلاق الأحكام التاريخية على ما شهده ذلك القرن من أحداث وما استجد به وعليه من تحولات وما انطوى عليه من دروس ومازال الأمل معقودا في أن تعي البشرية عبرتها وتتعلم مما حفلت به من مرارات وحزازات وأخطاء وثارات. هنالك ثار السؤال ولعله لا يزال يثور: ترى ما هو العام أو المناسبة أو الحدث الذي يمكن أن يقال عنه إنه العلامة الفارقة الماركة المسجلة لذلك القرن العشرين؟
هناك من اجتهد ليقول إنه كان عام 1918 وقد شهد الحرب العالمية الأولى وقد وضعت أوزارها وعايش أيضا تداعي ومن ثم زوال الإمبراطوريات العتيدة التي ظلت تحكم أوروبا على مدار عقود طالت من السنين ومن ثم كانت تؤثر بوجودها وسلطاتها وثقافاتها، وأخطائها أيضا في مقاليد عالم ذلك الزمان، كيف لا وقد جاء عام 1917 ليشهد انهيار إمبراطورية الهابسبورغ في النمسا والمجر (هنغاريا)
وزوال امبراطورية الرومانوف في روسيا لحساب البلاشفة وسقوط إمبراطورية الهوهنزلورن وكان آخر حكامها القيصر غليوم في ألمانيا، هذا فضلا عن تضعضع إمبراطورية آل عثمان التركية التي كانت قد بسطت سلطانها على أصقاع شتى من جنوبي ووسط أوروبا ومن شرقي وجنوبي المتوسط (سوريا ومصر والمناطق المغاربية) على امتداد أكثر من 400 سنة من عمر الزمان.. (لفظت إمبراطورية الأستانة وطردت آخر سلاطينها من اسطنبول في عام 1923).
عام 1918 اكتسب أهمية أيضا لأنه كان سنة الآمال العزبة العراض كما قد نقول.. فيه عقد مؤتمر الصلح الشهير في باريس وكان الأمل هو مرحلة من السلام والأمان بعد ويلات الحرب العظمى الأولى وفيه أعلن الدكتور ويلسون رئيس الولايات المتحدة مبادئه الأربعة عشر الشهيرة وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير المصير
وربما لم يكن الرئيس الأميركي يدرى أن هذه المبادئ قد ذاعت بطول الدنيا وعرضها إلى حد أن أصبحت «انجيلا بين المتحاربين وعهدا صريحاً بين المتحالفين (المنتصرين في الحرب) على أساس مساواة الأمم كبيرها وصغيرها في حق الحرية» على نحو ما يعبر سياسي مصري عروبي مخضرم هو المهندس محمد علي علوبة باشا في مذكراته.
على الجانب المقابل من القضية.. هناك من يقول إن كل الآمال التي وعد بها عام 1918 ما لبثت أن تبددت وتحولت إلى سراب، فلا الشعوب المقهورة نعمت بالمساواة ولا الرازحون تحت نير الاحتلال الأوروبي حصلوا على حق تقرير المصير ولا الحلفاء الذين انشأوا هيئة دولية اسمها «عصبة الأمم» احترموا ما سبق وأن قطعوه من تعهدات إزاء السلام أو التعاون أو إنقاذ الشعوب.
وربما كان العرب هم أكبر الخاسرين في هذا المضمار كله.. فلم تحصل أي من أقطارهم على الاستقلال.. بل والوعد الوحيد الذي أوفى به المستعمر الإنجليزي هو تصريح بلفور الذي وعد يهود الحركة الصهيونية بما وصفه بأنه «وطن قومي» في أرض فلسطين. أما عصبة الأمم فقد ظلت كيانا مهيضا مكسور الجناح وكان عليها أن تغلق أبوابها على دوي قصف المدافع مع نشوب الحرب الكونية الثانية في عام 1939.
من هنا كان لابد من إزاحة عام 1918 عن عرش العلامة الفارقة الفاصلة التي تميز القرن العشرين.. ولذلك رشحوا عاما آخر قيض لأجيالنا الحالية أن تشهده وتعايشه وهو عام 1989 والسبب: أن عام 1989 هو الذي شهد على وجه التحديد سقوط، انهيار حائط برلين وكان ذلك السور ـ الجدار
كما لعلك تعرف تجسيدا لانقسام العالم إلى شرق (شيوعي ـ اشتراكي) وبين غرب (ليبرالي ـ رأسمالي) الأول كان يجسده عسكرياً حلف وارسو ويقوده الكرملين الروسي ـ السوفييتي في موسكو والثاني كان يجسده عسكريا حلف الناتو ويقوده البيت الأميركي الأبيض في العاصمة واشنطن.
والحق أن عام 1989 لم يشهد سقوط حائط برلين بل شهد بالذات تداعي المنظومة الاشتراكية ـ السوفييتية والتي جاء آخر زعمائها جورباتشوف ليدق آخر المسامير في نعشها تمهيدا لتشييعها إلى مثواها الأخير حين حانت نهاية الاتحاد السوفييتي ومن ثم تحول مع فاتح التسعينات من كيان سياسي ودولة مهابة إلى فصول وأحيانا سطور في كتب التاريخ.
أحداث فاصلة.. صاعقة وحاسمة بكل تأكيد شهدها عام 1989.. لكنها لم تفد معظم شعوب العالم شيئا ولا كانت تجدي فتيلا بالنسبة للغالبية من البشر المطحونين المقيمين في جنوب العالم. صحيح أن عام 1989 شهد انتصار الغرب مع الشرق وفوز الرأسمالية على الشيوعية لكن ما من محصلة لهذا الانتصار الغربي ولا الغلبة الرأسمالية عادت بثمار لها قيمة على شعوب العالم إلا في القارات النامية الثلاث..
لقد كان الصراع بين موسكو وواشنطن في التحليل الأخير هو حرب عقائدية واقتصادية وثقافية وسياسية بين الكبار.. حيث لم يكن فيها لشعوب العالم الثالث ناقة ولا جمل كما يقول تعبير شهير في أدبيات السياسة المصرية في أربعينات القرن الماضي في ضوء هذا كله عاد السؤال مطروحاً من جديد: ما هو العام الحاسم؟ ما هي اللحظة الفارقة الفاصلة التي ميزت ذلك القرن العشرين؟.
هكذا يكتب الأستاذ مارتن جاك في تحليل مهم نشرته مؤخرا أسبوعية «جارديان ويكلى», (عدد 29/9/2005). ويمضي كاتب التحليل قائلا: إذا تعاملنا مع القضية من منظور المستقبل لوجدنا أن أهم أحداث القرن العشرين يتمثل في انجازين أساسيين هما: نهاية الاستعمار انتصار حركات التحرر الوطني،
لقد بدأ هذا المد مع نهاية الحرب العالمية الثانية (1945 وما بعدها) وربما بغير هذا المد التحرري (الذي ما لبث أن اتسع وتعاظم واشتد ساعده في الخمسينات) ما حدثت التحولات الجذرية العميقة في قارة آسيا بالذات وأسفرت بالتالي عن صعود القوى الآسيوية التي تؤثر اليوم في إعادة تشكيل خريطة التأثير في العالم.
في السياق نفسه يورد الكاتب مارتن جاك ملاحظة في غاية الأهمية يقول فيها: «بعد أحداث 11 سبتمبر لو خطرت توجهات أميركا مجدداً نحو النزعة الإمبراطورية، ولم يعد غريبا ولا مستهجنا أن تعود إلى الأرفف الكتب والمقولات التي تتغنى بفضائل الاستعمار!».
أخيرا.. ينتهي الكاتب إلى إصدار حكم على هذه الظاهرة قائلا: تلك تذكرة بأن على أوروبا أن تتعامل بموضوعية التقييم مع ماضيها الامبريالي وعلينا من جانبنا أن نتذكر أنه ما كان للعالم أن يشهد بروز قوتين أصبحتا اليوم في غاية الأهمية وهما الصين والهند لولا حركة مناهضة الامبريالية.. وأن من العبث إعادة الاعتبار لمرحلة الاستعمار التي غربت شمسها.
كاتب مصري ـ خبير في الإعلام الدولي