منذ أن فاجأ الذهنية العربية المتحفظة جداً، والمحافظة جداً، بذلك الشعر الخارج عن المألوف ونزار قباني لا يمثل شاعراً مجدداً في الحالة الإبداعية العربية فقط، بقدر ما يمثل مواطناً عربياً خارجاً على تعاليم القبيلة كلها من الألف إلى الياء، ومنذ أن أصدر ديوانه الأول والمثير للجدل «قالت لي السمراء»، ونزار قباني بعد المتنبي «مالئ الدنيا وشاغل الناس» حتى وفاته.
اليوم يفتح تلفزيون دبي باب الجدل حول نزار قباني مجدداً، بعرضه للمسلسل الذي يحمل اسم الشاعر، فعاد كثيرون للسؤال حول نزار الشاعر الخارج على النص الديني والأخلاقي والأعرافي، للمجتمع العربي المسلم المحافظ، عاد كثيرون ليتساءلوا مجدداً: ماذا فعل نزار قباني ليخلد بكتاب أو مسلسل، وما أهمية شعره الماجن العابث الذي حوّل المرأة إلى مجرد مملكة من الحواس والشهوة؟
لابد من التأكيد أولاً على أن المسلسل عمل درامي قوي وذو امكانيات إنتاجية ودرامية فائقة المستوى، فعنصر الممثلين الذين يؤدون أدوار الشخصيات الحقيقية في حياة نزار قد أُحسن اختيارهم ويؤدون أدوارهم ببراعة تامة، يمتاز بها الممثل السوري بشكل عام، ثم أن أماكن التصوير المختلفة، تقنيات الصوت والصورة والإخراج، كلها عناصر متكاملة أنتجت عملاً درامياً يضاف إلى نجاحات الدراما السورية الواقعية، ويحسب لها.
أما فيما يتعلق بالجدل الأزلي حول توافقية الإبداع مع الدين والأخلاق، فلا شك أنه ما من إبداع يمكننا تلمس الجمال فيه إلا ويكون في حد ذاته جميلاً أو باحثاً عن الجمال، أما كيف نقرأ نحن الإبداع وكيف نوظفه .
وكيف نفسره وبأي عقلية وبأي ثقافة، فتلك حكاية أخرى، فحتى النص الديني قرئ أحياناً بشكل خاطئ وتم وفق القراءة الخاطئة بناء استنتاجات وفرضيات وأحكام خاطئة ما زلنا ندفع ثمنها كمسلمين حتى وقتنا الحاضر.
نزار شاعر مبدع بكل المقاييس، هو الشاعر الوحيد الذي اخترع لنفسه لغة خاصة به، جعلها على مدى سنوات إبداعه امبراطورية من الكلمات قادته إلى أن سمى أحد دواوينه «الرسم بالكلمات»، وقد كان نزار يرسم شعره أكثر مما يحكيه لغة، تماماً كما كان يرسم في مخيلته قصص وأساطير التراث العربي في الهواء، حينما كان طفلاً.
إن الاشكالية الكبرى ليست في الإبداع العربي، لكنها في الذهنية المحافظة التي تقرأ الإبداع بمنطق الوصاية، مستغلة النص الديني في تعضيد قراءتها، وعلى هذا الأساس قُرئ شعر المتنبي.
وانتاج ابن رشد وفلسفة الرازي وابن سينا وكتب وتراث عظيم في تاريخنا كانت نهايته الحرق والتشهير والمنع والتكفير، نزار واحد من أعضاء قافلة طويلة من المبدعين المحرومين من نعمة رضا القبيلة العربية لأنه قرر أن يكون نزار قباني لا أكثر ولا أقل.
sultan@dmi.gov.ae