تحتاج عمليات إعادة بناء الدول إلى أعلى درجات التوافق الوطني على قاعدة التعايش عبر أو رغم التعدد القائم، وهو الأمر الذى تفتقر اليه الحالة العراقية الآن وبشدة، حيث يبقى كل طرف من الأطراف الثلاثة الفاعلة رهيناً لنزوع غير وطني إما لغياب الإرادة السياسية، أو الرؤية المستقبلية أو كلتيهما معا.
فعلى صعيد الطرف الكردي يتبدى هذا الأمر على نحو مباشر اذ تغيب الرؤية المستقبلية لديه فلا يدرك أهمية وجوده ضمن منظومة وطن قوى والتي قد تفوق عمليا أهمية وجوده المستقل ولكن الضعيف كدويلة صغيرة قد تكون فقيرة أو معزولة عن المحيط العربي الواسع.
ولا تملك سوى لعب أدوار استثنائية غير مرغوب فيها على حساب الجماعة العربية حتى ولو كانت موصولة بالدولة الأعظم على منوال الدور الإسرائيلي الذي لا يمكن اعتباره مثلا يحتذى.
هذا الافتقاد للرؤية المستقبلية لا يمكن فهمه إلا في ضوء هيمنة الماضي بكل هواجسه الثقيلة، وظلاله القاتمة على الحاضر، ونزوع الأكراد على صعيد نفسى الى محاولة الثأر من الحقبة الصدامية.
واسقاطها على العراق نفسه ككيان ودولة في لحظة تبدو مواتية من وجهة نظرهم كنتيجة لتحالفهم الموضوعي مع الحضور الأميركي الذي صار طاغيا في العراق والعالم، ولكنها غير مواتية في الحقيقة لعملية معقدة بحجم ونوعية تكوين الدول، وصناعة مصائر الشعوب.
ولا ينكر أحد عذابات الأكراد في الحقبة الصدامية، ولكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل ان الشعب العراقى كله قد عانى من استبداديتها ودمويتها وعلى رأسه السنة من غير البعثيين، بل وفي المقدمة أصهار الرئيس المخلوع وابناء عمومته أنفسهم.
وعلى صعيد الطرف الشيعي يتبدى هذا الأمر على نحو أقل مباشرة حيث تدفع الرغبة في تعظيم المطالب أو المكاسب الطائفية الى تعطيل الخيار الوطني، بل والانقسام حوله بين فريق يعتد به ويتحمس له.
وبين فريق آخر يسعى الى تعظيم المكاسب الطائفية ولو أدى ذلك الى تأخير اللحمة الوطنية أو تعويقها مؤقتا وظناً منهم بأن الطرف السني لا يملك في النهاية إلا الانصياع لرؤيتهم التي ترتب لهم أوضاعا جديدة متميزة وراسخة، وهنا يبدو الشقاق بين التيار الصدري خصوصا والذي لا يتحمس للفيدرالية في السياق الشيعي أي ما يسمى بفيدرالية الجنوب والوسط.
ويراقب العملية السياسية الجارية بحذر وترقب ويركز على أولوية الخلاص من الاحتلال الأميركي، وبين التيار العام الشيعي حول المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وحزب الدعوة الذى يقترب قليلا من الموقف الكردي أو يداهنه على الأقل للخروج بمكاسب طائفية مستقبلاً.
وكنتيجة للتأثير الإيراني البارز في هذا التيار والذي لم يعد أحد يستطيع أن ينكره بعد دعوة عبد العزيز الحكيم الى تقنين دور مستقل للمرجعية الشيعية عن مؤسسات الدولة في مسودة الدستور فيما يبدو وكأنه استعارة أولية لفكرة ولاية الفقيه، يمكن القول إن الطرف الشيعي يعاني غياب الإرادة السياسية الكاملة فضلا عن الرؤية المستقبلية الواضحة.
وأما على الصعيد السني فهناك غياب كامل للرؤية المستقبلية رغم حضور الحس الوطني، وذلك نتيجة لافتقاد هذا الطرف الى مشروع سياسي واضح يحقق له التماسك. فمن ناحية هناك فريق منهمك في العملية السياسية ولا يعترض الا على شروطها المتحيزة ضد وحدة العراق وعروبته.
بينما ينبذها تماما طرف ثانٍ من هذا الفريق يتبنى نهج العنف المسلح كآلية لتحقيق الاستقلال عن المحتل الأميركي قبل البدء في عملية سياسية لبناء الدولة العراقية الموحدة حيث يبقى شكل وملامح تلك الدولة غائبين تماما عن هذا الطرف الذي لم يصدر عنه ما يجلي عنهما بعض الغموض.
ومن ناحية أخرى هناك الإنقسام الأخطر داخل المكون الأخير بين نهج العنف الواعى والذى يجسد مقاومة وطنية حقيقية ضد الإحتلال الأميركي فقط أو بشكل أساسي ويناضل من أجل وحدة العراق وعروبته.
ويبدي اهتماما بعملية صياغة الدستور، وبين نهج العنف العبثي أو العدمي لتيار الزرقاوي وبعض الفلول البعثية ضيقة الأفق والتي تكاد تهدد بحرب اهلية حقيقية اذ تستهدف جميع الأطراف الأخرى وخاصة الشيعة وتحرض على الفتنة الطائفية من دون وازع وطني أو هدف سياسي محدد ومعلن.
وهنا نؤكد على أن الخروج من النفق المظلم نحو استعادة التوافق الوطني حول الكيان العراقي الموحد إنما يتطلب مراجعات جذرية لمواقف الجميع نحو استعادة الإرادة السياسية، والرؤية المستقبلية معا. وهنا يكون على السنة ان يتخلصوا من الزرقاوي بقدر ما أن الشيعة مطالبون بالخلاص من النفوذ الإيراني والأحلام الطائفية، والأكراد من النفوذ الأميركي والرغبة الانفصالية.
غير أن المهمة العاجلة الأولى، في ظل التصاعد الدامي للعنف الذي صار ملتبساً بالطائفية، هي عزل جماعات العنف العدمي وعلى رأسها الزرقاوي وبعض الفلول البعثية المرتبطة به، غير أنها مهمة تبقى مستحيلة طالما ظلت الكتلة السنية مستبعدة من العملية السياسية.
ومطالبها مهملة في عملية صياغة الدستور فهنا تعلو الروح الثأرية وتهيمن على السنة كما تبرر السلوكيات العدمية للزرقاوي ومن هم على شاكلته فيظل فاعلاً حقيقياً في الساحة العراقية.
وفي المقابل يؤدي الإدماج المتزايد للفريق السني في العملية السياسية وتلبية مطالبهم العادلة في صياغة الدستور العراقي إلى عملية إعادة فرز بين أطرافهم جميعا، والى عزل متزايد للتيارات العدمية التي لا تملك رؤية او مشروعاً سياسياً للمستقبل.
كاتب مصري